نصوص
إيلياء
و يبوس
المتوكل
طه
نصوص إيلياء
في المدينة جَمال سماوي يرحب بكم،
فادخلوها .. شهداء !
***
لديّ عدة أسماء، لكنَّ الأخير
هو المُظلم منها.
***
لِتَنْقُش المدينةُ على أبوابها حكمةَ الفَرس؛ مِن الدم يأتي دمٌ جديد.
***
العَالَم هو نفسه في كل مكان،
إلاّ هنا، إلاّ هنا..
***
لقد كذّبوا على أرواحهم، وأنكروا مصيرهم الطبيعي، وجاؤوا للانتقام من الضحية
.
***
ضعفك يا أبي هو الذي قاد المدينةَ إلى الموت.
***
قالوا : الآن، يمكنكَ النزول، فقد تهرّأتِ الراية، وبهتتِ الألوان..
أقول : الآن، يمكنك الصعود، فإن السارية بلا علَم!
***
رأيتهُ بأمّ عيني، لقد أمْسكَ بذيلِ العاصفة، ودفعها حتى احتشدت في الزجاجة.. إنها تبرق في يده!
***
عندما أَمُرُّ من جانبها، أغلق عينيّ
..
إنه حُلم سيئ.
***
السورُ عباءةٌ شقراء، تلفّ المدينةَ بحزام عفّتها،
وتفضي إلى بكارتها المتجددةّ.
***
طفل الصنوبر الذي خاض كحلَ الماء.. انهرقَ على حجارة السوق، وتبعثرت غرّته المخفوقة .
***
المرأةُ التي وضعت جنينَها الذي مات.. ونزفت،
ورأى جنودُ الحاجز عورتَها وصراخَها الوحشيَّ..
هي نفسُ المرأة، التي كسرت شاشةَ التلفاز،
عندما رأت أحدهم يُعانق الضابطَ، الذي حَدَّقَ بين فخذيها .. وتلمَّظ!
***
سلامٌ على مَنْ مسَّتْ أرواحَنا بقناديلها وزفّاتها وأقواسها الباذخة بالدوالي والأغنيات.
***
الأشباح لا تبكي!
وحدنا مَنْ يملك الدموع..
***
منديل أمّي قبل عامورة ومسّادا.. بآلاف السنين!
***
يعود الجنودُ من الحرب،
وكثيرٌ من الفولاذ في وجوههم.
***
لم يعقد هذا الرجل البسيط هدنةً مع الذين طردوا جاره،
ولم يرَ في الشارع الثاني ما يدعو إلى الطمأنينة،
لهذا دقَّ الفولاذ في صدور أولاده،
وعلّم أحفاده الفرق بين النعاس والحديد،
وراح يردّد على مسامعهم الأغاني القديمة..
***
سأرفعُ إيلياء زهرةً زجاجية ،
إلى أن تُطاول النجومَ، التي تراقب الأرضَ
المُدمّاة والمُنْتَهكة .. والحالمة ،
وإلى أن تصبح المدينةُ شمعتي البابلية
البيضاء .. التي سأُفكّر بها كل يومٍ،
وإلى الأبد .
ولهَم أن يواصلوا التَّيه، مرةً أُخرى،
في صحراء مُطْفَأةٍ عجوز ..
ويأكلوا عُشبةَ الليمبوس السامّة،
ليتخلّصوا من الصور التي تتراءى لهم في الكوابيس،
وكانوا فيها يذبحون الحَمام، دونما سبب،
ويهرسون النرجس والفرفحينة والخبيّزة
ببساطيرهم، وهم يطاردون الطائرَ
والظبي والحطّاب، ويفتحون صدرَ
النجمة، ليلتهموا قلبها المفعم
بالحب والحياة، لتجدّد أمّهُم الساحرةُ شبابَها
البشعَ الغائر ..
ولن يكونوا مثل ملكة تدمر، التي أكلت
العُشبةَ، قبل أن تصل روما، لكي لا يراها
أهلُ المدينة مقيّدةً ذليلة ..
لقد ماتت زنوبيا من أجل كرامتها
،
ويموتون مثل الضباع السائبة والنسيان ..
أو كما قضى القيصرُ مذبوحاً على الدرج .
عندها، سيرى الرعاةُ نجمةَ الميلاد
من جديد،
ويلد السلامُ في الحقول ..
***
..
وأخيراً وجدوا عصا الراعي التي كانت مثقوبة ومجوّفة كأنبوب مستقيم، وكلّما هبّت الريح، صارت ناياً يجرحُ الشريان.
***
الشيخُ الذي حمل المدينةَ، لم ينتبه أنها سقطت عن ظهره، لكنه ظلّ ممسكاً بالحِبال.
***
ولم تسقط الإضمامة من يد بائع النعناع.. رغم الرصاصات العشرين
.
***
العَلَمُ الصغيرُ الذي رسمه الفتى على عارضة عَرَبته الخشبية كان كافياً لأنْ ينوس كالذّبالة، وينطفئ بدمه العارم
.
***
معتقداتهم العمياء تمنعني من الدخول إلى
معابدهم السوداء
.
***
..
وأطفأ سيجارته في البرعم الصغير، وطقّ الغشاءُ واللحمُ والزغبُ.. ولم تعترف!
لقد افترعها الجمرُ، وخسروا كل شيء .
***
الجرّة التي عثروا عليها في كهف الحوش.. كان فمها مغلقاً بقماشة الطين، وحينما فضّوها سال البرق على المصطبة .
***
كانونُ الجَمْر والدلّةُ وبساط الصوف والمنقل والركوة ووجوه العائلة المرصوفة، لكنّ الرعد لم يظهر في الصورة، ولم نسمع الريح، ولم يأخذنا الفَوحَان .
***
وقالوا: مَنْ يُنْكِر ذَنْبَهُ، يُنْكِرُ أَلَمَ الآخرين.
***
وما فتئ يردّد تلك النبوءات؛ أن اليبوسي كان مع سيدنا إدريس- عليه السلام- في مصر، ومعه اكتشف الحروف، ونشر التوحيد، وعرف بما سيقع للمدينة. كان مسجده الأول في القدس، أما مسجده الثاني الذي ورثه أحفاده، فهو في منطقة بشارو في البرّ الغربي عند منابع النهر، وهناك أقام محبّوه نصّاً بصرياً تخليداً لإيمانه وعبادته لله الواحد الوحيد.
وأن من أحفاده مَنْ كان يراقص الريح والوعول، وهو الذي أرهص للباليه والهيب هوب والجاز والسلسا والتانغو والفالس، وكذلك للواحدة والنص والشمالية والطيارة .. والسيّارة والدّحيّة والسّحجة والثلاث والطعجة والبدّاويّة.. ولكل الدبكات ولغات الجسد،
ليكتمل الرعد!
وقال: إن المدينة سَتُهدم وتُبنى ثلاثين مرّة، وإن أقواماً بعيدين سيبنون مدائن تشبه إيلياء كأنها هي هي، ولها اسمها وسورها وأسواقها وحاراتها ومعابدها. وإن ملكة الماء ستدفن أساورها تحت حجر غشيم في أُسّ السور. وإن الماسة الكبيرة سيلقونها ملفوفة بخيوط النمل في المرآة.
وبعد ثلاثة وثلاثين قرناً ستمتلئ البئر الكبيرة بالجثث وستبقى على حالها، كأنها ذبائح الساعة، إلى يوم الساعة. وإن المعبد الكبير سيتهاوى، ويخرقون البرتقالة بقفاف النار والكحل المُبيد.
وقال : ستكون إيلياء عروساً يوم البعث ويوم النصر، وأرضاً للمحشر والمنشر، وسيأتيها المجاور ويتلو كتاب ابن حَجَر وابن هشام والبخاري والمدائح التي تترى لسيدنا النبي ولها ولمحررها الجسور.
ثم ستعلو جدران الفرقة وأقفاص الحجارة والقصبات الخائفة، وسيمنعون الملح عن الجرح، وترتفع المقصلة كل عشرين إلى أن تتبدّل الشواهد، وينسى الطالعون وجهها، وقبل المذبحة الكبيرة ستحزّ الشفرةُ قطنَ الشال الملوّن، وستنتشر عدوى اللحاق بالضباع، وسيعجن الناس العسل مع القفير، ثم تقع صاعقة العنّاب، حتى يمخر الحصان إلى رقبته في الزبدة المخثرة. ثم تبدأ مركبة الصباح لتمحو بصمة النار عن الأسوار، ويسارعون في بناء المحراب مرّة أخرى، بعد أن يحفروا أربعين وأربعين، ويتدفق العابدون حتى لا يجد النائم مكاناً لغفوته إلاّ على بعد خمسين فرسخاً أو يزيد. ويقول: إن حريق مدينة المسرح الحجري سيشوي زهرَ النوافذ في المدينة، ويلفحها بالرعب والهروب. سيجلو
الثالثُ جدرانَها بالحنّاء، ويكون توطئة للروح حتى يُعيد الأمر الأول مرةً أُخرى.
وإن كلّ من يعبث بالمدينة سيكون عبرةً قبل البرزخ وعند البعث، فالعبوا بعيداً عنها وعن أيتامها وضحاياها لتتمّ لكم المغفرة. فالمدينة شجرة وأيقونة وآيةٌ لا تؤوّل إلاّ بالمحبة والعدل والحق.
ويقول: احذروا البنايةَ الشاهقة التي لا ظلّ لها، والصابونةَ التي لا تُرغي على فروة الغزال، والجُملةَ التي تساوي بين الصياد والطريدة، وتمنح سارقَ الذّرى هواءَ السلام والرسوخ.
والويلُ لمَنْ شهدوا الصّلْبَ ولم يصرخوا، بل تمتّعوا بسرد الحكاية، وانصرفوا.. فسينصرفون إلى جحيم الدنيا قبل الجحيم الأخير.
ويقول: احفظوا غرفةَ القمر ومهدَ الغيمة التي هبطت وانسربت في وسائد البيوت والحاملات،
لكي لا ينزو الوحش على الزرافة. ولا تشربوا الماء المالح لأن دم القراصنة يسير في البحار. وعندما يبلغ العبدُ المرتدّ بيتَ الرخام سترتفع المدينة فوق الهاوية ويبدأ التعب والرحيل، وستكون بكامل غربتها في أعراس الموت الموصولة، وستنمو بقع البشاعة ويغزو الرملُ رئةَ الحواري، حتى ينفجر البركان الصاخب، ويلد مَنْ تصرخ أُمُّه من آلام المخاض، وتتجندل الطيور المعدنية ونافثات الفناء واليباب، عندها سيعود الموتى إلى قبورهم، وينتظرون المشهد الرهيب.
ويقول: سيختلفون على صواع الذهب، ويعود النهر المختفي يضفضف بأسماكه الناعمة في الطرقات، وتعود اللغة والكرنفالات والإماء ورمّانة الأندلس الحاذقة، إلى أن تشيع الفتنة وتجفّ البحيرة.
عندها لن يبقى للمدينة غير معنى واحد يظهر في بابها الرحيم، وسيمشي المُصلّون تحت الصنوبر والنارنج، ويشهدون زواج البنفسج والنور .
وقال: احذروا مَنْ لم يرَ الدم في يد القاتل الذي يصافحه!
***
أقسموا! لقد رأوه تماماً؛ بثوبه الكتّان السكريّ،
وشَعْره المدرّج السابل العسلي الكثيف، ولحيته
الزعفرانية الخفيفة الناعمة، وعينيه وطوله ويديه المباركتين.. لقد رأوه يمشي ثانيةً، من أوّل طريق الآلام إلى الجُلجُلة، دون تاجٍ أو شوكٍ أو صليب .. ولكنه يمشي المسافة كل ليلة .. وهالته تدلّ عليه.
***
لا تزال فتحةُ الليل قادرة على إشاعة الفضّةِ في العظام، والذَهب في الشفاه.
***
عندما خرج ملكي صادق لاستقبال سيدنا إبراهيم عليه السلام، كان أمَرَ أهلَ القصر بأن يعدّوا الوليمةَ للضيف..
قالت امرأة الملك: لقد سقط نجمٌ أبيض في صحن العجين وذاب في ماء الطحين.
***
البحرُ البعيد لم يعد مأنوساً بقناديل اللهاث والعرق،