كَشْكُولُ الذَّهَب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المتوكل طه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وجهتي حيث أراد ..

وأرجو أنْ يرضى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 باسم الحيّ الأزل الأجمل، باسم الوهّاب الكريم، الكافي المُعافي، الذي لا يضرّ مع اسمه شيء، المتجلّي الذي لا ينام، يجبر ويعفو، ومَنْ نطمع في سعة رحمته التي وسعت كل شيء، فكيف لا تتسع لضلالاتي وجنوني، وكيف لا أطمع بأن أغزو وأفعل، وأنا على يقين بأنه الستّار الرحمن الأول، أُناديه باسمه الذي لا يعلمه غيره، وبكل أسمائه الحُسنى، أنْ يُبقي علينا العافية والسّتْر، في الدنيا والآخرة، وأن يتجاوز عن كل ما نفعل، فهو العظيم الأعظم، ونحن التراب الفاني، وهو الكبير الأكبر، ونحن في دنيا، بَرَأَها، لا تساوي، كلها، جناح بعوضة. وأصلّي وأُسلّم على الحبيب المُرسل، سيدي محمد النبي، الذي أسأل مولاي أن يجمعنا معه على حوضه الزاخر بالنور، ونرفل مع مَنْ تبعه في الجنـّات، تحت عرش السّـنـَا والضياء وفيْض الرزّاق الآخِر.

 

*

 

[ عن أنس ٍ رضي الله عنه، عن النّبي  صلى الله عليه وسلم قال:  

   يقولُ اللهُ: أَخرِجُوا من النَّار مَنْ ذَكَرَني يوماً، أو خافني في مَقام. ]

                                                       الأحاديث القدسَّية– ج1

 

*

 

وأدعو للناس بما أُحبّ لنفسي، عسى أن يتقـّبل منّي الغفـّار الغفور، غافر الذنب، لا إله إلا هو، عليه الاتـّكال، والحمد لله على كل حال، وبعد؛ فإن الذَهَبَ زاجرٌ زاجلٌ مخاتل، مَسَّ الغزالةَ فتوهّجت، وأغراه المتكوّر فتقاطر شهداً، وانحنى على الصخرة، فحفظ التلاميذُ دروسَ النسيان. هو السيّد المحفوظ في الحديد والسَّهَر، وقهوة العروس المُصابة بالإغماء. عقربُ الحرب وأقدامُ العرْش، وزغبُ أنثى الوشق. نـَفـَسُ الساحرات، وجرأةُ الناي وهدايا النحلة. دمعةُ البرتقالة وإشارةُ الجُلـّنار وعُرْفُ الصيّاح المختال.

والذهبُ قيدُ الحرية وبكارةُ العاصفة وصوتُ القـُرآن المكتوب. أمشاطُ النخلة وعنادُ الغروب وخريفُ الحور الماطر. سيفُ العاهل البارد، وسنانُ البدوي الأمير، وضحكة زوجته البرمكية. كهرمانُ العجوز، وصرّةُ الغريب، ونبضُ الحرير المنساب، فتيلُ سراج القرية، وعطرُ الفجر المشهود، وما تركته الأفعى على صخرة الثأر. أيقونةُ النار وتلويحةُ المُهر وثوبُ الضبع الوحيد. والذهَبُ تلبيةُ المتبتّل، وهمس الغنوصيّ السّريّ، ووجهُ النـُّحاس الفقير. هو قلبٌ وهلالٌ وما شئت من التراب. وهو بُراقي إلى نبيذي الحامض وسنابلي المهروسة، وتاجي وأنا أصارع الهزيمة، وقد بلغ الصليبُ الـُجلجلة! وهو حجري القرمطيّ وأذاني  للقوافل.

والذهبُ ذريعةُ الحاسد وموجاتهُ الطّامة. يتيمٌ، ثمينٌ، يصلح لأنْ يلمع للآخرين ويظل جائعاً كفأس العبيد. زاهدٌ حاكمٌ يُغري جامعي الحياة ليصلوا مُثقلين إلى شفرات اللحد المُقفرة.  ولا شأن لي بهذا الرقراق الذي كانت روحه مخبّأة في الوردة السوداء، وحين قبّلتها، انطبعت حَلَماتٍ وزبيباً. سأرميه إلى مخلب مهمازي وللنار المُرابيةِ الغيورة، ولن يتم خلاصي من دون وأده في النجمة الجاهلية، حتى تشفّ النداءات في البراري، وتعود المواقد في أجنحة الفينيق. وسأركب هذا الدرج الساطع وأعتلي منصّة السبيكة، وأنظر من عينيْ زرقاء اليمامة لأرى أدغال الثائر تدفّ من بعيد، أحضنه، فيبتلّ قميصي بالكرز، وأرجع إلى البيت، إلى أن تقول الجارةُ لامرأتي: ما هذا الشجر الماشي؟ ألا يكفيكم بلوّراًً لتصدّوا الظلّ الداكن! يكفي، غطّتنا العتمة.

 

*

 

قطراتُ الجمرة تحت البحر تتضور منذ الأزل المُبْهم، هي نطفة السلطان المخلوع، ليبقى على سرج الهتاف وسنابك النصر المثخن بالسباع الصرعى. رآها النسر فهوى مثل السهم النيزك، وبمنقاره الفدائي فثأ اللؤلؤة المحظوظة، فصعدت حتى بلغت السطح المجعّد، وكنتُ أطيش على زجاجي الرخو، فانسربت حتى دخلت الإبرة إلى نخاعي. فما بالي أحمل هذي الذّرات المصبوبة، كأنها الدم الملكيّ الذي يتوجني ابنَ رسولٍ لم يدرك رفعته النبوية؟

 

*

 

خذلتني التعويذةُ، كانت خضراء، كغطاء قبور الأولياء، وأرادتها العينُ زرقاءَ كآفاق الفجر، ويا خُسران الرمّان! دم الأرض وقنديل الجنّة، فقد فـَقـَدَ الصولجان ذهَبَهُ الخالص، وخرجت من عصاه روحُ المحارب، وانتصر رجال المستنقعات. 

 

*

 

والمرأةُ، مَنْ كانت تتغيّا الليل المُفـْرد، لِتَعُبَّ هواء الأضواء وغبش الرنّام، وتنزلق على أرجوحة الحرّيف... جَفّ حلقها مرارةً، وانكمش الأرنب الصغير على فراء الحسرة.

 

*

 

والولد اللاهث هرباً من خوذات الدببة دلف إلى بيتٍ يقيه الموت، فكانت زليخة التي أجلسته مع وحدتها العطشى، وهدّأت من رعشته انتظاراً لرعشات أعلى، وعادت إليه كما ولدتها السماء، لكنه خاف فهرب غير آبهٍ بالحوت الحديدي الساحق.

 

*

 

وتذكّر أُخرى؛ كان يحمل إليها بعض عصارات الجبل العابق، ودخل إلى صحن النوم، فكان شفيفاً مزنّراً، كأنه يعدّها للنزول إلى البحر، وأطبقت عليه، كان صغيراً، لم يبلغ أنفه أعلى من نهر النهدين، واعتصرته، وما فتئت رائحة السوسن هنا في الرأس.

 

*

 

] تحدّرتُ من أمّهات العريش، أبي كان مُهرَ البراري. سبا من خيامٍ لِبَدوِ العناقيد

أمّي، وفيها

     رقدتُ

    ولمّا  أتاها مخاضُ النبيذ،

    وُلِدتُ .[

                 جوزف حرب

 

*

 

كم كنتَ جاهلاً غريراً أيها الظمآن الأعمى! ويا ليت تلك النداوة ترجع، ويعود الطفل البريء بوعي الذئب إلى النعناع.

 

*

غزالة حامل بأجنّتها تقطع الدرّب إلى شجرها، فتضربها مركبةُ الجيش، فتطير الغزالةُ وتسّاقط حبّاتُ رحْمها المدمّاة، وتتدحرج بعيداً مشقوقة البطن، والفوران الأحمرُ يتدفّق، والزغب مهروس تحت العجلات!

جاء الفلاّحون من القرى المجاورة، ولمّوا أشلاء الغزالة، وجمعوا معها الأجنّة المسحوقة، وأقاموا عليها الصلاة!

يقولون: نبعٌ من عصافير مضيئة يتدفق عالياً كنافورة من شذرات لامعة ترسم شكل قلب مكان ارتطام الحديد مع أمّ الصغار.

ويقولون: ناي يعلو كالغبش أو الغلالة يتكوّر كبطن الحامل وينفجر رذاذاً بلّورياً، حيث انسحقت الشمسُ مع نجومها التي لم ترَ النور.

ويقولون: بكاء خفيف يصدر عن الحجارة والأغصان وجذوع الشجر وأنامل العشب وتبر التراب في فضاء استشهاد الحامل الصعب.

ويقولون: إن جمرات بيضاء تنبض في الليل، كلما وسوست العتمة وادلَهمَّ الليل، فتخرج الطيور من أعشاشها تؤنس وحدة البياض الشجاع.

ويقولون: ما فتئت قطرات ندى بطنها المخمليّ ترهج كالذهب على جنبات الطريق، وإن الشجن يعلو كلما عصفت الرياح، أو مرّت العجلات القاتلة.

وقالوا: إن الغزال المكحّل الذي فَقدَ غزالته المدهومة قد تحزَّمَ بالإثمد، وجنّحت شظاياه على بُعد وردة من الحاجز المنعوف.

*

] أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبّت جوهرتين مكانهما،

هل ترى؟

هي أشياء لا تُشترى[

                         أمل دنقل

 

*

 

 

والرجلُ الذي سملوا عينيه تشهّى جفرا تتثنّى، لكن الماء انقطع، واندلعت النار، وانفقأ الكيس، وتلعثم المثلوم أمام الرغبة والفرس الجامح، وانهزم إلى حدّ الدوخان، كان ذليلاً يرسل عينيه التائهتين إلى الأحجار، ويزوغ مع التقريع اللائم، فاحتشد ومات، وتيتّم الحبق الحبيب، وبكى طوال الليل الأطول.

 

*

 

 بستان الشوك مليء بالتين ومراهقة اللوز، والطير حبيس الأعشاش، ونزّ الخيط الوردي إلى أن رفّ على شباك امرأة عذراء، ووقف على صحن الكفّ، وكادت تشكو، وهبطت حبّتان، نـَفـَرتا كالكرسنّة الألماس، ففهم الريش وتعافى، وعاد إلى لبن الحبّات.

 

                                             *

 

] رهبة البياض، قبل الرسم، يعادلها فرح الأشكال وهي تنهض من فنائها الأزلي إلى ملكوت العين، وتصبح طاقة بصرية قائمة تملأ سطح اللوحة بنشيد الألوان ورقص الخطوط[

                                                                  الفنان التشكيلي محمد الجالوس

 

*

 

جريء كالموسيقى هذا الطفل، ومجنونة كالزلازل تلك العانس، والمسرح يعجّ بأقنعة المُشاة المدججين بالهمس.

 

*

 

هذي البلادُ وَلَدْناها على فرحٍ

تحتَ المقاصلِ ورداً فاح رَيَّاهُ

وَنَحْفِرُ اسمَ مُنَاديِها على لَهَبٍ

وللِْخُلُودِ على صَخْرٍ نَقَشْنَاهُ

 

*

 

الخاتم الذهبي عقاب الأميرة للمرأة الولود، أو فقحة الشاعر المتهتك، أو عقدة الليلة التي انتظروها بالمناديل والعُقد ورصاص الإعلان الأهوج، وهو إشارة أسباب الخيانة واللذائذ.

 

*

 

لن تخفى تلك اللفحة الحارة، فالمزمار خمرة نافذة، وهذا الفيضان بعض آثاره، وذلك النهار بعض نوافذه، وأكاد أخرج من هيكلي لأمسك بفضّته السابحة، وما زلت على قناعة تامة بأنه وحش النضارة والفرح، الذي أضعه على رأسي، وأمشي على مياهه العذبة.

 

*

 

] كل رائعة حقيقية تخرق قانون جنس مقرر، زارعةً بذلك البلبلة في أذهان النقاد الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى توسيع الجنس[

                                         كروتشه

 

*

 

هيرودوس، الإمبراطور المجنون الذي كان يصيب الحديد بالرعب، قد أكلته الديدان وهو يعاني من سكرات الموت في أريحا، التي لم تكن حينها شرفة للقمر والليل البهيج، بل كانت مُلوحةً ورطوبةً وذباباً زاد من معاناة الإمبراطور المختنق بقلبه المتضخم ورئتيه المنتفختين بالماء وبحشرجته الذابحة.

هيرودوس هذا طلب من معاونيه، وهو على فراش العذاب، أن يقتلوا يوم موته ألفاً من علية القوم، حتى تنوح النساء والبيوت، ويحسب الناس أن ذلك العويل هو حزن على هيرودوس.

أما هيرودوس الإسرائيلي المتمثل بكل قائد مجزرة أو مذبحة أو مستوطنة أو سور أو حاجز، من شامير إلى شارون، ومن غولدا إلى وايزمن، ومن نتنياهو إلى أولمرت ومن بيرس إلى باراك، فجميعهم يوم أن يدرك أحدهم الموت يترك ألف أرملة فلسطينية تبكي على رجالهن! غير أن الناس يعرفون، ببساطة، أن هذه الفجائع ليس حزناً على أولئك النافقين الجزّارين، ولكن بسبب ما اقترفت أيديهم القذرة.

 

*

 

كيف يكون طعم دمها هذه التفاحة الجدارية، التي تتكسّر عذوبةً وبرودةً مثل حزوز الحَبّ الساحليّ بين أسناني؟ أنا كائن المغارة الغامض، الذي صار تمثالاً من ماء ممسوس.

 

*

 

 

]فلما رأى الماء، لم يرَ في الماء صورتَه،

قال: إصْغِ، فأصغى لصمتٍ مديد،

صدّقوني: هو الآن في الباب،

لا يتذكّر ماذا يريد [

                            عبد القادر الحصني

 

*

 

السجين الذي استعصى على مربعات الاحتواء، وعلى الحذف والإلغاء والإضافة، انفجرت لعبته بين يديه، فالرسّام الوهاب ضاق به ذرعاً، وكان يريده بحجم جُرْمه القصير الضئيل، لكنه طائر من أرض العماليق يئزّ على المنارات، فيشعلها بوعوده الأكيدة، إنه الآن حُرّ مثل مُلصقه الذي يحرس المدينةَ والناسُ نيام.

 

*

 

]في النثر ظلٌّ من النّظْم، ولولا ذلك ما خفّ ولا حلا ولا طاب ولا تحلاّ. وفي النَّظم ظلٌّ من النثر، ولولا ذلك ما تميزّت أشكاله، ولا عذُبت موارده ومصادره، ولا اختلفت بحوره وطرائقه ولا ائتلفت وصائله وعلائقه[

                      أبو حيان التوحيدي- المقابسات

 

*

 

نام الغدُ في البارحة، واستيقظ اليوم، كان شبيهاً بأمّه، التي اعتبرت نوستراداموس دجّالاً ولاعباً على الاحتمال البعيد.. الممكن.

 

*

 

أوقفه الحاجز، كانوا مستنفرين كالطوفان، وبعد أن أتمّوا حفلة الذّل والتفتيش والتنبيش عن الهواء، قالوا لامرأته أن تخلع كل ملابسها، فثمة وطن سينفجر في بطنها، وارتفع الصراخ الوحشي المجنون، وانغلق العقل- سيعرّونها غـَصْباً-... وبعد دقائق كان دمه يشق جداول نحو الشجر اليابس على حافة المجنزرات، وامرأة تستلقي دون ثياب!

 

*

 

] وأنت يا حاملة المياه على كتفيكِ

ويا راشّة الطلّ على الشعير

يا عارفة بسير الكواكب

اسحقي ساحق أخيك

وانهي مَنْ أنهى أسرتك[

                   من كتاب أُوغاريت

 

                *             

 

الذهَب، هنا، عروق الشاعرية التي ترشق ماءها الماسيّ المنفلت الأرعن الطفل الأهوج الحالم المتوتر الموّار السكران المتحلل في ذهن النثرية الموجوعة الحارة المغموسة بالحكمة المقطـّرة.

وهو حصى المشعوذة وعظام طائرها الرميم، وما تكشفه من غيب مستور.

وهو الجنيّ الواقف يسترق السمع وراء الأبواب، ومَنْ ينظر من عين المفتاح على ألعاب الجسدين، وكيف يفيض الماء المالح أو صوت الموج، وما ظلّ من الحطب الأخضر ورهام الساحل!

والذَهَبُ عشبة جلجامش، أو ما يُبقي التابوت فناراً، والصفة المهيوبة خالدةً فوق رفوف الذِكْر!

ولكن، ماذا يعني هذا؟ لا شيء سوى أن اللعبة تحلو، ولنا أن نستمرئَ وَهْم الكلمات!

 

*

 

[الخيولُ التي أسرجتها الخرافاتُ تقتل فرسانَها]

                                                            أدونيس

 

*

 

مثلما تركتم أجسادَكم للرصاصِ أيها الفارهونَ الذين أخطأَتْهم صُدفةُ الضرورةِ- وكان ذلك في حُلمٍ مصنوعٍ من جلودِ العبيد- اتركوا باقةَ الوردِ البسيطةِ وغربالَ البكاءِ الناشفِ، وخلّوا الوعلَ ينزُو قبل أن تصطادَهُ الأنفاسُ، فقد كان الطريدةَ والصّيادَ. وهو نحنُ المُسرنمون الشهودُ على الصفقةِ. واتركوا الرأسين العاشقين ليأتيَ صوتُ البحرِ العارم! ومثلما تركتُم المقصلةَ صَدِئَةً لِغَلبةِ الخَرسِ وهدوءِ التأويلِ وألعابِ النساءِ المستريحاتِ.. اتركونا في وديانِ الجنونِ البريئة. فالحقيقة ما تُريدون سَمَاعهُ عن النارِ أو الانكسارِ.. بعد أنْ خاتلتم البرَّ والَفرَسَ، ووأدتم الأغنيةَ، وتركتمونا ننتظرُ مواقيتَ موتنا ونخيطُ أكفاننَا بأقلامنا في أزمانِ اللّهو والحليب القليل، وجعلتمونا آباءً لأطفالٍ يستثمِرون ويرقصون على موتِ ثوبِ الحكايةِ والحقل. والحقيقةُ أنكم قبيلةُ الحداثةِ الميّتةِ التي لَبسِتْ قِناعَ قاتلها ولعبتْ أدوارَهُ الُمفزعَةَ، في أرضِ كنعانِنا القَديمةِ، وأرضِ نبيّكم الجديدةِ، فنحنُ الفائضون عن الحاجةِ.. الذين باعت أُمُّهمُ شَعرها وساقهم الطوفانُ إلى عُنفٍ خائبٍ لم يحمل في أحشائه النبيَّ المنُتظَر. ولم تعرفوا أن الذي يقتل فَرْدَاً عليه أن يحفر قبرين، فلماذا آثرتم الرايةَ النقيضةَ وذبحتُم الصباحَ؟ وفي شرايين أبنائكم خريرُ النارِ ودفءُ الدم الذي جعلتموه مفارقةً للذريعة الكابية! ولماذا.. وقد وضعتم إطارَ الطريقِ إلى الموتِ، لا تتركونا نترنّحُ قليلاً، ونَصْرُخُ قليلاً، ونبكي كما لم تبكِ الآلهةُ المذبوحُة من جِذْعِها فوقَ جُثَث أبنائِها؟ فاتركوناَ.. واتركونا نبكي على الشجاعِ الذي لن تراه البيوت.

 

*

] أنا يا أخي

آمنتُ بالشَّعب المُضَيَّع والمُكبَّل

فَحمَلتُ رشّاشي..

لتحملَ بَعدَنا الأجيالُ منجل .

وجعلتُ من جُرحي والدماء في السهل

والوديان .. جدول

حقٌّ عليك دماؤنا ..

والحقُّ دَيْن لا .. لا يؤجَّل [

                        أغنية فلسطينية

 

*

 

الضعف شكلٌ آخر للفراغ. وقوةُ خصمك تساوي: قوته إلى جانب ضعفك .

 

*

 

لم تتبدل عربات النحاس كثيراً، ولا الخيول أو الجنود، فلقد كانوا ينزلون بسرعة خاطفة إلى الأسواق، يبعثرون الدكك الخشبية الصغيرة، والطاولات الواطئة، فتقع عنها مِزَق الخضار والباقات وحبّات البيض والفاكهة، وكانت النساء، بثياب الحقول، يرجعن باكيات دون قطع روميّة نقدية قليلة. ومنذ أربعين، والجنود أنفسهم يهبطون بهراواتهم، فيركلون البسطات بالبساطير، ويدعسون على إضمامات البصل الأخضر والجرجير، ويتدحرج التين والبرقوق، وتعود النساء اللاطمات دون شواقل إلى البيوت المنذورة للهدم والتطـّرف.. والزوال.

 

*

 

] العرقُ البارد والنار وحزن الأيام وعبدالله أقارب

 يفهم في اللجّ

وأفضلُ مَنْ يصنع مجدافين

ولا يملك قارب

...

أُحبك يا عبدَ الله لنفسك غاضب

وعلى نفسك غاضب[

                 مظفر النواب

*

 

أكثر من مئة وثمانين امرأة في "نفي ترتسيا" (معتقل النساء)، فيهن ثمان وعشرون ما بلغن الحلم بعد، فلم يفقع الفِطـْر أو يتبقّع القطن، كُن مفزوعات، وأصبحن صامتات. وسبع عشرة وضعن أحمالهن خلف القضبان، فكانوا يسحبون أفواه الحليب من الصدور، ويلقون بها إلى الجدران أو الجدّات. وأصبحت أكثر من مئة وثمانين مرضعة يبكين أطفالهن الذين لم ينفطموا على صدورهن حتى اللحظة، وازداد الصمت حتى بلغ الانفجار... وأنصتوا..

 

*

 

]أنا لا أشكو..

  ففي الشكوى انحناء..

  وأنا نبضُ عروقي كبرياء]

                         كامل الشناوي

 

*

 

أُحبُ وجَهكِ، والشررُ يرتعشُ عليه كالفراشات المتوهجة! وأُحبُ عينيكِ المغنطيسيتين، وثوبكِ الذي بلون زبد البحر! لكني في عالم فَقَدَ رشدَه، ولا يمنحني جنّةً أحياها معك.. لأنّ الجنّة ليست مأدبةً عظيمةً فوق الغيوم، أو مشواراً في الليل المائي، إنها الحياة بلا احتلالٍ وجنازات وجنود.

 

*

هذا كشكولي الذهبي، خريطتي التي جمعتُ فيها مقاطع من أيامنا الصعبة، على مدار عام تقريباً، ليكون شاهداً، ولو بعد حين، على ما كان.

وكشكولي المجنون هذا حوى ما طاب لي، وما أردت أن يصل، عسى أن يكون مدوّناتٍ تليق بزمنٍ رزح تحت الأكتاف المُثقلة بالموت ومتاع اللجوء المتجدد. إنه كشكول يعكس شهوراً بعينها، وقع خلالها ما جعلني ألتقطه وأفرده على البساط، ثم أطويه كالرسالة المفضوضة، مع باقي القصاقيص والكوابيس والشهوات. وهو كشكول المجتهد المُقلّ، مع لهفةٍ ما فترت، وحبّ حيوي يصّاعد كالنسغ في الغابات.

 

*

 

وحدي كَحَوّاء، عندَ الخَلْقِ، ما وجدتْ

شيئاً سوى الريحِ والأشجارِ والحَجَرِ

أمشي فأسمعُ وَقْعَ الخَطْوِ

إنْ عثرتْ، رِجْلي

فََعَيْني، تُديمُ البُعْدَ في النَظَرِ،

وربَما كان بعضُ الوَحْشِ، إذْ أنِسَتْ

بمَنْ يروح ويأتي،

والمدى بصري..

لعل آدمَ، ألقاهُ، ويشعرني

أنّي، وبعضُ الذي أهوى، من البَشَرِ

لكنه لم يكن، فالشمسُ أُلبسها

ثوباً، وأسترُ فوقَ السَّاقِ بالقمرِ.

 

*

 

عندما ابتنى ذلك النزل، أراد تأثيثه والانتقال إليه، فأضاء به وبأهله. ونصَحوه أن يعلـّق لوحةً على فراغ الجدار، فتابع بائعي الأنتيكا والأثاث المستعمل القديم الباذخ، وأعجبته لوحة الفهد القابض بأنيابه على عنق الغزال، فعلّقها وسلـّط عليها الإضاءة المناسبة، وبعد ليالٍ كان الدرج وأبواب الغرف تسمع خطوات فراء مَرِن وخفيف، وثمة مَنْ يمرق ويهفّ الهواء كأطفال العاصفة.

 

*

 

   [ كيف أزهو وليستِ الأرضُ قصدي

     ليس لي بيتُ نملةٍ لأزاهي

     إن يكنْ لي مع العذاباتِ مجدٌ

     حَسْبُ عمري أن القصيدة جاهي

     أنا ماءٌ يفورُ في جمرِ نارٍ

     أنا نارٌ تراقصتْ في المياهِ

     يا سؤالَ الوجودِ يكفي اعتذاراً

     لا أنا قَدُّ هذي الحياة

     ولا هي]

              راشد عيسى

 

*

 

عندما قام اللاعب الغاني "بانتسيل" ورفع علم "إسرائيل" أثناء مباراة غانا والتشيك في مونديال 2006، في انتهاك صارخ لقوانين "الفيفا"، لم يحرك أحدٌ ساكناً، ولم نسمع أي احتجاجات، ولم يتم توجيه إنذار لهذا الغاني العنصري المتعاطف مع العنصريين المحتلين!

ولكن، عندما قام اللاعب المصري الرائع محمد أبو تريكة، يحفظه الله وينصره، ووضع شعاراً على قميصه الداخلي يقول "تعاطفاً مع غزة" المحاصرة المذبوحة الجائعة المريضة المختنقة، قام حكم المباراة وحذّره، فضلاً عن تحذير الاتحاد الأفريقي لكرة القدم "الكاف" لأبي تريكة بدعوى أن أبا تريكة رفع شعاراً سياسياً في مباراة رياضية!!

 

*

]وعلى مستوى وزارة الثقافة فلا توجد موازنات، والقليل المتاح لا يساعد بالمطلق على استنهاض الحالة الثقافية وتعزيز الثقافة الوطنية التي هي اليوم مهددة بالتلاشي أو التشويه، هذا بالإضافة إلى أن الثقافة الوطنية بشكلٍ عامٍ ليست على سلم اهتمامات السلطة والحكومة، وكأنه أمر مقصود تحويل الشعب إلى مجرد جموعٍ بشريةٍ تُختزَل طموحاتها بالمأكل والمشرب ومتطلبات الحياة اليومية دون ناظمٍ يحفظ لها هويتها وانتماءها، وهو الثقافة الوطنية[

                                                 د. إبراهيم أبراش، وزير                   

                                                          الثقافة الفلسطيني

*

 

الفتاة التي تلف ليل المخيم الماطر حافيةً رثّةً شعثاء تسير على زجاج البكاء، والناس يغلقون أبوابهم المهترئة على الزنك الخايخ المتهالك، ولا يعرفون لها أصلاً!

لكن مسيرها يشبه صوت البوم، فيتشاءم الرجال، وتضرب النساء كفاً بكفٍّ، ويتمنين لها الموت.

والفتى الطازج الأشقر الذي يغطـّي النمش وجهه ما زال يأتي أيام الأعياد، وينفخ في الساكسفون حتى يسكت الناس، وتخشع الطرقات الضيقة، ولا يعرفون له أصلاً!

لكن الفتاة والفتى لقيطان في ملجأ المدينة القريبة، وكلاهما وُجد ملفـّعاً بدم المخاض، وَمُعَلـَّقاً على صدره كوز صنوبر، وتحنو عليهما الراهبة الصهباء التي شربت المناقيرُ من ماء وجهها، فامتلأ بما يشبه النـمَش الغامق!

 

*

 [ ليس للحقيقة جسدٌ لكي نلامسه

وليس بيننا وبينــها غيرُ اللــهب]

                                      أدونيس

 

*

إذا شككتَ في النبوءة، فاخرج إلى السّحر العميق، إلى فضاء الله المفتوح على الذَرى والجبال والوديان، سترى الشجر على شكل طواويس وحيوانات أليفة وأطفال لهم وجوه الجلّنار، وعيون النرجس، وشفاه النوّار، ورمش الزفير الغامق، وأنف البلح، وشَعر أعشاش الملائكة الصغار، وسترى الأفاعي أسيفة وقد تحوّلت إلى قنوات مياه صافية، والفراشات نجوم تنبض بوهجها كالأزرار الثلجية، وستلاقي على الطاولات الحجرية الجراء والشنّار تُصَلّي مفتوحةَ الأجفان دون توقفٍ أو ملل! وستجد الكلب على أبواب السفح يستعدّ لمعركته الفاصلة ليمنع الضواري من الانقضاض ببراثنها العفنة على "العبورة" الغضّة، عندها ستجد الفرس بكامل زينتها وسرجها الوضّاء، تحملك إلى هناك، حيث يُطلّ النبيّ بكلمات النخل والماء.

 

*

 

[أرام: مدينةٌ بأرض الهند فيها هيكل فيه صنم مضطجع، يسمع منه في بعض 

  الأوقات صفيرٌ فيُرى قائماً، فإذا فعل ذلك كان دليلاً على الرخص والخصب في

  تلك السنة، وإن لم يفعل يدلّ على الجدب، والناس يمتارون من المواضع

  البعيدة. ذَكَرَهُ صاحب "تحفة الغرائب"]

                                   آثار البلاد وأخبار العباد – القزويني

 

*

 

لم يتبقَّ لدينا أيّ منبر لا تسيطر عليه أو تؤثر فيه اشتراطات المموّلين والسياسة، التي تريد أن تمسخنا وتفرّغنا من محتوانا، وتغرّبنا عن جذرنا، وتبعدنا عن ثوابتنا، بعد أن تهبط بسقفنا إلى الحضيض. وإذا نجا منبر واحد، فإن المؤسسات غير الحكومية (N.G.O'S) تقوم بالمهمّة كاملة، وتصبّ خيراتها لترغيبِ مَنْ لم يخلع ملابسه لكي يقتنع بضرورة العُري باعتباره حداثة وواقعية وتقدّماً، أو تقوم جهات غامضة بتشويهه أو محاصرته! بمعنى أن كل المؤسسات التي تُكوّن أو تُنتج الفرد أو المجتمع، بشقّيها الرسمي (المدرسة، الرموز الوطنية، الإعلام الرسمي، القوانين... إلخ) والأهلي (الحيّ، البيت، المسجد، العادات والتقاليد والقيم العامّة، الإعلام غير الحكومي، التراث... إلخ) هي الآن تحت رحمة التمويل واشتراطاته، أو ثمة نتاج يتم تقديمه للمجتمع، وهو نتاج ممسوخ غريب استهلاكي مشبوه، ليكون الثقافة البديلة التي تؤصّل مدارك الأجيال الجديدة، بدل تلك الثقافة "الأصولية" التي يقدّمها المجتمع أو توارَثها أو يحاول "المتطّرفون الرجعيون" الحفاظ عليها.

وبالرغم من هذا التسونامي الأسود، الذي يهجم علينا بقوّةٍ وحشيةٍ وبكيفيةٍ ذكيةٍ متكاملةٍ ومتواصلة، وعبر كل الوسائل والآليات، فإنهم لم يصلوا إلى وجداننا العميق، لكنهم يحاولون، وعلينا ألاّ ننام!

 

*

]هذا أوانُ تفتُّحِ الجرحِ المفخّخِ بالجسد[

                                 خالد أبو خالد

 

*

والذهب هنا غيمة المشوار، وجديلة النبعة، وما تكثّف في الجرّة من عسلِ ألفِ عام. هو عِرْق الثوب ومُقرنصات القلعة، ولهب الشارب بلا ندماء، والذهبُ كعكة الراقص وقفزته لصبايا الخفر الملتاع، وحنّاء ليلة السرّ الفوّاح، وبخار الجُرح، وهو الحجر البارد والصورة الأكمل عندما تنكسر الرؤى، وهو سمسم المخدّة وغفـْلتها العميقة الحانية.

والذهَبُ رصاصتي التي أصدّ بها لحظة الانهيار التي تتجلى في اللغة النهائية الكافرة أو المؤمنة، وفي تقمص الذابح وفي النكوص، وفي صعود الفقاعة، وصمت السفينة، وفي الاستهلاك والشكلانيّة، وفي اللجوء إلى العدم أو القاتل، وفي  تمزيق الذات والارتداد لإهانة الرموز، وفي طعن الصديق- صفة دائمة- وفي الخوف من الوضوح أو التذكير بالجذر، وفي الدادية أو الهلوسة التي أريد أن أرتُقَها بالذهب حتى تكون تجريباً مُحتَملاً لا أُباهي به، ولكن ليحمل معي وجعي إلى الناس.

والذهب جرسُ ما لم تقله أنت، وما خشيتَ من وقوعه، وما تخاف من حدوثه عمّا قريب. والذّهب صومعة الراهب الذي آثر فكرة الابتعاد السديدة، أو كحل المتفجّر وأحزمته الشهيدة، أو كلمة القلب وجروحه المجيدة، والذهب هنا وهناك، وفي كل مكان إنسانٌ.. إنسان!

ولعلك مطهمٌ بالعذاب، وممتلئٌ بالحسرات والفجائع، وظنّي أنك تفيض بالجنون، وبما لا يُعقل، وبكل الغرائب والخيالي والفنتازي والسريالي... ولا قِبَلَ لك بهذه الهلوسات، فاطرحها جانباً،  وامضِ إلى عدميتك أو وجودك.

 

*

 

] أنتَ، لا أنا، هو الخاسر، فمن يحيا على حرمانِ غيرِهِ من الضوء يُغرقُ نفسَهُ في عتمةِ ظلِّه... أنتَ الخائف، لا أنا، مما تفعلُه الزنزانةُ بي، يا حارسَ نومي وحلمي وهذياناتي الملغومة بالإشارات. لي الرؤيا ولك البرج وسلسلة المفاتيح الثقيلة والبندقية المصوّبة إلى شبح[

                                                                                محمود درويش

 

*

 

سفيرنا في الدولة تلك لا يضع علم فلسطين على سارية سيارته الفارهة!

والسبب وجيهٌ جداً، فالسيد معالي السفير يحمل جواز سفرٍ أجنبياً، ويُعتبر من رعايا تلك الدولة التي تقبض على عُنق الأرض، وبالتالي فهو يخجل أو يخاف أو يخشى من أن يرفع العلم الفلسطيني، وبالتالي تغضب منه دولته الكبرى التي يحمل همَّها، ويحسب حساب مشاعرها، ويمسك خاطرها، ولا يريد أن يبدو "فلسطينياً" برغم أنه يمثّل فلسطين، ما يجعلنا نقول إن بعض السفراء يمثّلون الدولة لدى فلسطين، ولا يمثّلون فلسطين لدى الدولة التي يقيمون فيها! إذ إن فلسطين بالنسبة لهؤلاء السفراء مثل خبز الشعير، يأكلونه ويذمّونه، ويلعنون أبا مَنْ زرع ومَنْ خلع ومَنْ طحن ومَنْ خَبَز! ونحن لا ندّعي على أحد، لكن مستوطنة "معالي أدوميم" الواقعة شرق القدس أقل خطراً علينا من "معالي السفير"، وبالتأكيد فإن "معالي زايد" أكثر جذباً وراحةً من الحديث حول إمكاناتها الفنّية، من الحديث حول المستوطنة أو السفير!

 

*

 

ألإثارة التي غمرتنا .. كانت كافية لأنْ يجعلها الزلزالُ ذريعتَه في الأرض

 

*

]  شمسٌ صفراء

في قدحِ البيتِ الطّينيِّ،

فراءُ غيومٍ فوقَ السَّروِ،

وَحقلٌُ مِنْ قمحٍ

يتطايرُ حينَ تَهبُّ عليهِ الرّيحُ

فَيسقطُ في أرضٍ نائيةٍ

خَلفَ البيتِ

حِصانُ أبي يصهلُ

فِيسيلُ شعاعٌ فضيٌّ

في الوديانِ

وأُمّي قُربَ البابِ

تُطرِّزُ عِرْقَ البحرِ على

ثَوبِ المُخمَلْ

مِنْ غُصنٍ في شَجرةِ ليمونٍ

يَتَدلّى قَلبي

ويَمسُّ (السِّنسلةَ)

فَتَجفلُ بَعضُ حِجَارَتِها وتَطيرْ

في الشّبّاك

قَصفةُ بَرقٍ زرعتها الجدَّةُ

منذُ شتاءين

فَوقَ الحائطِ

ثَمَّةَ مِرآةٌ تتذكَّرْ

أحياناً يتجعّدُ وجهُ المرآةِ

ونسمعُ داخلَها

حَشرجةً

و بكاءً مكتوماً

بالقُربِ مِنَ البيتِ

هُنالِكَ بِئرٌ

ليسَ لها قاعٌ،

ثَمّةَ ليلُُ شرسٌ محبوسٌ فيها

كنَّا نَفتحُها

فَتَفورُ العتمةُ مِنها كالبُركانِ

وتُغرِق نِصفَ بيوتِ القرية

في تِلكَ البِئرِ

رَمينا أجملَ إِخوتِنا

ونَسينَاهُ:

حصانَ أبي. [   َ 

           يوسف عبد العزيز

 

*

 

يدهمُ الجنودُ حوش البيت الريفي، ويتدفقون، ويقتحمون الغُرف والمطبخ والحمامات والمخزن، ولا أحد!

كانت المرأة مع ابنتها الطفلة، وأكدت لهم أنه لم يأتِ إلى البيت منذ شهور، اذهبوا وابحثوا عنه.

لمعت الفكرة في ذهن الضابط؛ أحضَرَ الفتاة، ووضع باطن يديها على زهرات الأسلاك الشائكة، واحتضنها بكفيه، وراح يعصر على الأصابع الصغيرة، والأرضُ تصرخ.. تصرخ.. تصرخ، والعندمُ ينقط.. ينقط.. ينقط.

وما زال الحنّاءُ الناريُّ على الأسلاك.

 

*

 

 

يقسّم إيريك فروم السلوك العدواني إلى ثلاثة أنواع: عنف للدفاع عن النفس، وعنف لإكمال الجريمة (جريمة كالسرقة والاغتصاب)، وعنف للاستمتاع بالعنف، وهذا هو العنف المَرَضي.

 

*

] أنتم (المخلصون) للوطنيّة

أنتم الحاملون عبء القضية !!

أنتم العاملون من غير قولٍ !!

بارك الله في الزنود القوية !!

(وبيانٌ) منكم يعادل جيشاً

بمعدّات زحفه الحربية ..

(واجتماعٌ)  منكم يردّ علينا

غابرَ المجدِ من فتوح أميّة ..

وخلاصُ البلاد صار على الباب،

وجاءت أعياده الوردية ..

ما جحدنا (أفضالكم)، غير أنّا

لم تزل في نفوسنا أمنيّه :

في يدينا بقيّةٌ من بلادٍ

فاستريحوا كيلا تطير البقيّه [

 

                                ابراهيم طوقان

 

*

 

-       أَمَا سئمنا الفشل ؟

-       لماذا يذهبون الى الحرب بعد أن وقّعوا على السلام ؟

-       مَنْ جعل النعمةَ تتخفّى ؟

-       كيف يستطيع الجَمال أن يستحوذ على الأعمى ؟

-       هلّ لدينا مبدع هائل وغريب ومذهل يشبه الكونت دي ساد ؟

-       قد يصافح أحدُ السياسيين قاتلَ أطفال شعبه ! ولكن لماذا يعانقه ؟

-       من أين لسالومي قدرة الرقص مع الموت ؟

-       هل الثأر والأنتقام حق لطرف واحد أم للطرفين ؟

-       لماذا لا تكتفي الكلاب بالنباح، وتصر على عضّ اللحم الحيّ ؟

-       هل النقد هو الأتهام والإعدام ؟

-       متى اختلف الملح مع السكّر ؟

-       كيف أعرف أنني نائم ؟

-       مَنْ أمرَ النايَ ليذبحني ؟

 

*

كان الخصم يقتل شخصاً واحداً ليخيف مئة، لكنَّ كيان الاحتلال الإسرائيلي يقتُلُ مئةً ليخيف شخصاً واحداً تدّعي سلطات الموت أنه قائد أو مطلوب أو مدبّر الأمر الكبير. وهكذا، فإن القصف الأهوج الذي يتعرّض له المواطنون، هنا وهناك، لا مبرر له، سوى أنه فعلٌ احتلاليٌّ يليق بالمحتلّين المُعتدين الفاشيين لتنفيذِ أجندةٍ سياسية، أو لترتيبِ وضعٍ يقيمون عليه مشهداً جديداً، يكون منصّةً أعلى وأكثر رسوخاً للقصف ولمضاعفةِ الوجعِ والموتِ والحرائقِ في السياراتِ التي يتركونها قطعاً معدنية سوداء ملتوية، وعليها اللحم المفحوم المفتَّت والمشعوط.

 

*

] يا حيف الأحلام المكسورة يا حيفا

هل تدخلُ ذاكرتي سيفا

وتفارقها طيفا [

                أحمد دحبور

 

*

الفهدُ الصاعد إلى التلّة، وصل !

وراح يتمرّغ في قوس قزح

 

*

 

لا تفتحي الشبّاك يا ابنتي، فقد وصل البحرُ إلى أعناق الغيم، وَدَعينا ندخل غرفتنا الخشبية، لعلنا إن لم ندفع النوء نقيم سفينتنا النوحيّة، ونضع كل مجسّمات المخلوقات لكي لا تفنى.

سنطيش أياماً وشهوراً، ونسيرُ إلى الجبل العالي، فهناك يقول الطيرُ: سآتي أحمل غُصن الزيتون، وَأُخْبركم برحيل الماء.

وتذكَّري! ثمة مَنْ رفضَ الدعوةَ وأحبَّ الزُرقة حتى مات!

وأنا أُحب الفتاة التي تضع المحيط لوناً على أظافرها، وتبقى مثل زهرةٍ في الأرض المدمّرة.

*

 

]ترك هشام بن عبد الملك بعد موته اثني عشر ألف قميص وعشرة آلاف تكة حرير، وحُملت كسوته لمّا حج على سبعمائة جمل، وترك بعد وفاته أحد عشر ألف ألف دينار، ولم تأت دولة بني العباس إلا وجميع أولاده فقراء لا مال لواحد منهم، وبين الدولة العباسية ووفاة هشام سبع سنين[

         الأبشيهي- المستطرف

 

*

 

[مشــغولٌ بأمرٍ بالغِ الأهمية:

  كيف يتســنّى لي تنفيذ عملية

  شنق زرافة؟]

               ...

*

 

مَنْ يعقد صفقة مع الشيطان ... عليه أن يتكبّد عناء الخسارات .

 

*

] عبثاً أستردّ شجاعتي وبأسي

المأساة ليست هنا

في السوط أو المكتب أو صفارات الإنذار

إنها هناك

في المهد .. في الرحم

فأنا قطعاً

ما كنتُ مربوطاً إلى رحمي بحبل سرّة

بل بحبل مشنقة [

                         محمد الماغوط

 

*

أمّة عربية كاملة، من العرب العاربة والمستعربة والبائدة، من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، أي ملايين الكيلومترات، من مدن ونجوع وأنهار وغابات وصحارى وجبال ومرتفعات، ومليارات التريليونات من الينّات واليورات والدولارات، وأكوام الدبابات والمجنزرات والنفّاثات التي دفعوا ثمنها، صاغرين، إلى أسيادهم في الكارتيلات العسكرية الغربية، بعد أن أصبحت هذه الأسلحة من الخرداوات، وعشرات الملايين من المواطنين والمواطنات، الأحياء والأموات، من الجائعين والمرضى والأميّين والمقهورين والصامتات، والآلاف المؤلفة من الأجهزة المهولة والأمن اليقظ والمخابرات الحذقة والمباحث الشاطرة والاستخبارات، وآلاف آلاف النياشين والمنصّات والسجّاد والمارشات والخطابات، وأكثر من عشرين دولة ذات سيادة وسمّو وجلالة وتبريكات وحدود مكهربة ومراقبة وفلكلور وإثنيّات ولهجات ومحافظات وجنود وجوازات وأختام وطوابع ورسالات، عدا الشوارع والجسور والساحات والأزقة والمطارات، والكثير من السجون والمعتقلات ومراكز التحقيق والمعسكرات، عداك عن الجرايد والصور الملوّنة المصقولة والخرائط والفضائيات، وما تيسّر من المعارضة والجبهات والأحزاب والتنظيمات، إضافة إلى أعياد الميلاد (ليس ميلاد سيدنا المسيح طبعاً- عليه السلام-) والاستقلال والتصحيح والجيش والوحدة والثورة وطهور ابن المسؤول وزواج المسؤولات، وكل المناهج والأدبيات والمساقات، والمدارس والجامعات، ولون الدولة والعَلم والمواكب والاستعراضات والسيارات، وما لذّ من المعاهدات واللقاءات أو طاب من المراسيم والمؤتمرات والمهرجانات، وما لا يُحصى من الرموز والجنود المجهولين والمزارات والأقواس والتماثيل والرايات، وما تراه من حدائق ومتاحف وقصور ومقصورات، وبرامج ومسلسلات وأغنيات وأفلام وكليبّات ومسابقات، وما ضاقت به الدنيا من ذرائع وحجج وشجب وبيانات، وتحذير وثارات، وما لم يذكره البائد والآتي من وزراء وبرلمانيين ومستشارين ومتقاعدين وسفارات، كل ذلك وغيره من قدرات وإمكانات لم يستطع أن يضع حدّاً صغيراً لدولة الاحتلال الإسرائيلي، والتي عرضها أقل من تسعة كيلومترات!.. مسخرات!

 

*

أرمي برأسي على صدر الشآم إذا

أحسستُ باليُتْمِ أو دمعي على هُدبي

القدسُ أُمّي ويافا جدّتي وأخي في قاسيون

وبرُّ الشام روحُ أبي

 

*

 

لعل دولة الاحتلال هدفت من وراء اتفاقات أوسلو إلى إعطائنا "ولاية" على المواطنين الفلسطينيين ليس أكثر! ولم تقدم لنا "سيادة" على الأرض والشعب. وعندما حاول الشهيد ياسر عرفات- رحمه الله- أن يزحف باتجاه السيادة، قاموا باغتياله! وأعتقد أن أحداً لن يتم اغتياله على المدى المنظور، والله أعلم .

 

*

 

   ]يُحكى أن بوران بنت الحسن بن سهل لما زُفَّت إلى المأمون حاضت من هيبة الخلافة في غير وقت الحيض، فلما خلا بها المأمون، ومدّ يده إلى تكّتها قرأت قول الله تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" صدق الله العظيم. ففطن المأمون لحالها، وتعجّب من حُسن كنايتها، وازداد إعجاباً بها[

                                                                      الثعالبي– النهاية في فن الكناية

 

*

 

وأنتِ أُمُّ الشهيدِ الفذّ إنْ عبَقَتْ

ياقوتةُ الجُرحِ، راح الوردُ يعتذرُ

*

 

] نحن وقت يتحرك في الفضاء [

                              من "أرض الأحلام"

 

*

 

أكره ذلك المغنّي الملعون، صاحب الجُملة الرمادية، لأنني أرى العرقَ في صوته المأجور، والدخانَ في معزفه الغربي الهجين، وشيئاً فشيئاً.. وفجأةً، أصبح المايسترو الذي يقود جوقة الأشباح السمينة ذوات الأصوات الممجوجة الموبوءة، التي كشفت عورة الأمهات وصدر المقدسات، وسفحت دم الحليب في الطرقات .

أكره هذه الموجة السوداء التي يركبها مصاصو الدماء الأنيقون، الذين يشكّلون البطانة الفاسدة لدرّاعة البلد والحلم والمدارك.

وبالرغم من محاولاتي لأن أبحث لهم عن عذر، أو أن أُسْكِتَ عقلي وأوقظ قلبي، فإنني أصطدم بنتوءاتهم التي تُدمي خاصرة البلد، فتلعب الشياطين في رأسي، وأُعلن اللعنة عليهم! غير أنّي أحلم وأكتب كل ما لم أستطع أن أقوله، لأني ببساطة يجب أن أقول كل شيء دون مواربة أو تمويه، على رغم أن الذين ينجرحون، خارج فلسطين، يضعون ضمادة على جروحهم ويواصلون مسيرهم. أما نحن، وهنا في فلسطين، فإننا نظل ننزف وننزف... لكن البستان سينفجر بوروده عمّا قريب.

 

*

وردة جوريّة بيضاء انفتقت عن البرق، تحضر بكامل تيجانها الذهبية، وتقف ذابلةً، بعد أن قطفوها عن أُمها الشجرة، وتكاد دموعها العطرية تنساب، لكنها جفّت، على رغم الماء الطافح في المزهريّة.

 

*

]فرس الباغي عثور[

                  مثل شعبي

 

*

نجمٌ على الماء، أم غيمٌ على الحجرِ

أم وحيُ نخلةِ مبعوثٍ إلى البشرِ

أم موجةٌ من عباءات المياه إذا

خرجن للناس فاض النورُ في البصرِ

حتى أشرتُ إلى قلبي ليحملني

فَصَاح لما رأى الواحاتِ: يا شجري!

 

*

 

] دوْرتُكَ الدمويةُ

تُكمِلُ شُغْلَها خارجَ جِسمِكْ ![

                             مريد البرغوثي

 

*

 

لم يجد الّلاجئون الفلسّطينيون مكاناً يلوذون إليه هرباً من الموت الأحمر الذي يلاحقهم في العراق بعد احتلاله الأسود، إلاّ التشيلي في أمريكا اللاتينية، بعد أن ضاقت الأرض العربية بما رَحُبت بأبناء فلسطين. فالحمدُ لله على أن برأ تشيلي حتى تغطّي عورة مسؤولي أُمّتنا الذين لم يعودوا قادرين على اتخاذ قرار إنساني صغير، خوفاً من أمريكا وابنة أمريكا وأبنائها المتحكّمين برقاب العرب البائدين.

 

*

 

رحم الله الفنانَ توفيق الدقن الذي كان يردد في كثير من أفلامه: آلو يا أُمم!

 

*

 

لم  تكن الدول في الماضي سوى مدنٍ بعينها، حتى جاء "مينا" المصري، وأقام الدولة الممتدة، فأصبحت أثينا اليونان، وصارت روما إيطاليا. وروما هذه مدينة ساحرة، كأنها متحفٌ مفتوحٌ، بعد أن كانت المدينة الدولة الفارهة التي إذا رقصت ترقص الآلهة، وتتحكم في "بحر الروم" وتُلقي بظلالها على ضفتيه، وتُحكم قبضتها على الأعناق. وبالطبع، ثمة عائدات للفضائل والرذائل في هذه المدينة التي يتاجر البعض فيها بجماله والبعض ببلاغته، قبل أن يحرقها "نيرون" ونرى تمثال الذئبة وهي ترضع الطفلين.

و"نيرون" هو ابن "أغربينا" المرأة الحديدية التي تزوجها عمّها الإمبراطور، وكانت ذات ملامح صارمة جافّة، وبعيدة عن الطيش الأُنثوي، واستطاعت أن تفكّ أسر الكاتب المعروف "سنيكا" الذي عاقبه زوجُها، وعملت على احتواء ذلك الكاتب وخَطْب ودّه، وجعلته معلماً لابنها "نيرون"- مثلما كان أرسطو معلم الإسكندر المقدوني الكبير-.

والنتيجة، في ظنّي، أن نيرون لم يكن ليصبح ديكتاتوراً ساديّاً لو لم تكن أمّه بتلك الغلاظة والعنف والقسوة، فالطفل يكبر وفي صدره قلب أُمّه.

 

*

 

وسوف يستيقظ الصمتُ الذي فزعتْ

        منه النجوعُ وضاق الزَّرْع والبَشَرُ

ويعتلي عرباتِ النارِ مَنْ لبسوا

        جلدَ العبيد ومَنْ جاعوا ومَنْ نُحِروا

وليس ينفع سجعُ الأقدمين ولا

        خطابةُ الذلِّ والتزويرُ والحَذرُ

هذي الكنانةُ والأحرارُ في دمها

        تكون أولَ مَنْ كانوا ومَنْ حضروا

وإنْ شققتَ جلودَ الأرضِ عن بلدٍ

        في مصرَ تلقى ضياءَ الكون ينفجرُ

 

*

 

حبّة ليمونة خضراء تسقط على سقف الثلج فتفخته، وتسقط الليمونة إلى قعر البحر، فيصبح الماء أخضر مثل نيسان.

 

*

 

 

] تلك الجريمةُ تمّت بمدخل نابلس

كانت حقول من اللوز

تغرق في الصمغ

.. هنا دفنوهم

لقد بقي الطين ينبض حتى الصباح

ولم يملأ أعينهم

أصبح الطين ينظر من أعينهم

وابتدأت كل عين كحبة زيتون

تدفع الأرضَ

طينُ رحيمٌ كربًّ رحيم [

                            مظفر النواب

 

*

 

أيها الحوت الغلاّط الهائج فوق الموج، لا أحد يحتمل اتساعك ونفاذك الصاخب الهائل، ولن يرضوا عنك ما دمتَ بهذه الاندفاعة والقدرة والوضوح.

 

*

 

لا تتم الجرائم والفظائع والخيانات الكبيرة إلاّ بمكافآت مُجزية وكبيرة، غير أن الجاه القائم على الظلم كوابيس بشعة ستبقى تحوّم فوق الخونة، ولن يناموا.

 

*

الفرق بيني وبينه ليس شكل القَلَفة أو الاختلاف على الختان، بل إصراره على أن يكون سيّداً على حُطام الضحايا بدعوى مفضوحة وحقيرة؛ وهي أنّ له حقوقاً!

 

*

 

كان بعينيه الصحراويتين يرى الكواكب عبر الضباب، وكان نايُه يغطي الواحات والسوافي، وكان يلهو مع القارح في الغروب، غير أنهم دهموا براءة أطلاله وأحلامه، وتركوه على الرمل لتمتلئ الآبار أكثر!

إنه ينزف كحيوانٍ مجروح،

ولا يثق بأحدٍ كالحيوان المجروح،

وسينقضّ عليهم كالحيوان المجروح..

*

 

أُحسّ أنها تتدفق في دمي منذ الأزل!

- المرأةُ أم المدينةُ؟

.. هل افترقا؟!

 

*

 

الذهبُ هنا ليل الريف الصيفيّ الذي يفيض بالزجل والعتابا وحلقات الدبكة ووهج النار والمشاريب الملوّنة وتلاويح الرجال. 

وتكاد تلك السهرات تأخذني كالمسحور المُجلّل بالوهج إلى تلك الجموع المتحلّقة حول دائرة يتقافز فيها المغنّي العايق بدمايته السُكّرية وحذائه الأبيض وحزامه الحريري، فينغّم بالآوف والشروقي، أو يرهج بالمثمن والمقسوم والمربّع، أو يطفح بالدلعونة وظريف الطول وجفرا والبنيّات والمجوز، ويحدو كأنه إمامٌ يتعبّد في محراب الفرح، ويصطف الحضور في سحجة مطهمة بتوقيعاتها الممتلئة بالعرق والفتوّة التي ترنّق الأرض، أو بالشبابة والدبكة التي سينبع النبعُ من تحت أقدامها التي تصهد الأرض بحركاتها الحاسمة الثابتة، بدءاً من الشمالية وانتهاء بالسيارة والطيّارة.

وعلى المشارف المناديل والزغاريد والأمنيات التي تشق الليل فضاءاتٍ لليمام الأبيض والأحلام والغفوات! وفي اليوم التالي أتماهى في الزفّة العابقة بالشَّرَر والكفوف والماء المتقاطر على الوجوه والأكتاف.

.. هكذا وجدنا أنفسنا، وقد ولدنا على تلك المصاطب المشتعلة بما أضاء دواخلنا وأصّل مداركنا، فكبرنا وفينا الأرض أغنيةٌ تفيض بالقيمة والمعنى والضمير والانتماء، غير أن أعراس هذه الأيام تحرق أيامنا الماضية، وتجعلها رماداً تذروه رياح العُري والهزِّ والرخاوة والخلاعة والتغريب والشكل الهجين الفادح القادم من عولمة الفيديو كليب والفضائيات المؤسفة، في وقت يستلب فيه الاحتلالُ كل تراثنا وفلكلورنا من ملابس وأدوات وأكلات وأغنيات ورقصات، ويدّعي أنها من اجتراحه، وأنه صاحبها، فيمارسها ويبعثها، ويعمّمها في الدنيا على اعتبار أنها مُلْكه وفلكلوره وتراثه!!

إن ثقافة "المسخ" هي التي تكوّن أجيالنا الطالعة، وستكون لدينا أجيال بلا ذاكرة! وحتى هذه اللحظة، بعد أربعين عاماً من الثورة أو يزيد، وبعد أربعة عشر عاماً من السُّلطة، لا توجد لدينا مؤسسة رسميّة لتأصيل تاريخنا الثقافي أو الوطني أو السياسي، ولا توجد لدينا دار وطنية للنشر والتوزيع، ولا توجد فرقة قومية للتراث أو الفلكلور، ولا متحف، ولا فرقة موسيقية، ولا كونسرفتوار أو معهد، ولا يوجد في مناهجنا المدرسية أو مساقاتنا الجامعية ما ينهض بكل حمولاتنا التراثية ومكوّنات شخصيتنا الوطنية المهددة بالإلغاء والتذويب.. حتى تتبلور لدينا رواية فلسطينية تردّ على غوائل رواية الاحتلال عن نفسه وعنّا ومزاعمها وافتراءاتها!!

ما معنى هذا؟

 

*

 

الأنفاقُ المُضاءةُ بالموسيقى والنُّور

ستضربُها الظُّلمةُ والشُذّاذ

ويقفُ الجرذُ محدّقاً في الصّمت

ينتظرُ الجثثَ العائمة.

 

*

 

المقدوس مثل: الدّقة (الزعتر)، والفريكة، والشجّيرية (الميرمية)، أو الزيتون، أو الزيت، أو الزعيتمانة (الزعتر عراق) أو زعتر الجبل، ومثل الجبنة، ورُبّ البندورة المطبوخ المكثّف، أو الكشك البلدي (الجميد)، والعدس المجروش والحَبّ، والمخلّلات، والدبس ومطبوخ العنب، و"تطلي" السفرجل، والعسل، والقُطّين، والزبيب، والملوخية الناشفة، وقلائد البامية، والثوم، والمملوح (الزيتون الأسود) أو الكامر، واللّبنة المدحبرة بالزيت، والقزحة، والبابونج، والحويرنة، وغير ذلك من حواضر البيت، التي كانت الأُمهات يضعنها في مرطبانات أو عبوات بلاستيكية أو أكياس، فيأخذها الأبناء القاطنون في المدينة البعيدة، لتكون وجبات ماتعة هانئة.

وسقى الله أيام الخوابي الطافحة بتلك الخيرات العابقة في البيوت، صيفاً وشتاءً، علاوة على ما يمور في البيت من دجاج بلدي وحَمام وأرانب وحليب أحلى من شَهد النحل!

سقى الله تلك الأيام، وسقى الله ثرى أُمّي التي كانت تلفّ لنا، كل أسبوع أو اثنين، ما تيسّر من تلك الخيرات، مع بقجة من أرغفة الزعتر الرانخ بالزيت، أو كومة من السمبوسك، أو بضعة أرغفة من المسخَّن، أو عدد من الزغاليل المحشّوة، أو أَكْلِة قَرع بالسُّكَّر أو الزلابية، ولم نكن نتناول شيئاً من أكلاتنا الفلسطينية المعروفة إلاّ عندما نذهب إلى البلد، فيكون المفتول أو الكرشات أو المفروكة أو الفتّة  أو العكّوب أو البسيسة أوالفوارغ أو الخبيزة أو الهيطلية أو القليّة أو الحمَصّيص والعِلك أو الدوالي أو المنسف أو الحمراء والبيضة أو الفرفحينة أو الزعمطوط واللسيّنة أو الرشتاية أو الكرناسة أو اللوف أو اللّخنة أو البحبوثة أو ما تفتقده المطابخ العصرية اليوم، وما لا تعرفه بنات هذا الزمن في المدن من النساء.

وبرحيل الأمهات تموت الكثير من هذه الوجبات، وتعزّ علينا، باستثناء ما يستطعن الأخوات من تدبيره للإخوة الذين يتشهّون تلك الطعوم والموائد.

وعند الحاجز، يوقفني الجنود، يدققّون في الأوراق، ويسألون عمّا تحتويه الأكياس والمرطبانات، ويأمرون بفتحها. وبالرغم من التوضيح بأن هذا مقدوس وهذا زعتر، فإن الجنود لا يقتنعون فيدلحونها على الشارع ويدعسون على الأخضر والسمسم والباذنجان والزيت، فيسقط قلبي مع حبّات المقدوس وذرّات الدقّة التي تضوّع بعبقها الأرجاء.

ماذا أقول لهؤلاء الذين يحرموننا ما لامس أصابع أخواتنا وأمهاتنا وأرواحهن وأنفاسهن، وهنّ جذلات بإعداد هذه الحواضر لفلذات أكبادهن وأحبابهن؟

أكاد أبكي، ليس حسرةً على المقدوسات والزعترات، ولكن على فَرْحَة أختي الكبيرة التي انهرست تحت بسطارٍ بشعٍ حاقدٍ، لا يفهم ولا يحسّ ولا يشعر ولا يعرف ما رأى لأنه جاء من روسيا أو أثيوبيا، بل إنني سأقيم جُنّازاً للزعتر والمقدوس، وسأرثي هذا الزيت المغدور وهذا السمسم الشهيد الذي قتله هذا الوحش الوثني، على رغم عطر الزعتر وبراءة الباذنجان وطفولته اللامعة.

 

*

] لماذا تنكيس الأعلام العربية فوق الدوائر الرسمية، والسفارات، والقنصليات في الخارج، عند كل مصاب ؟ إنها دائماً منكّسة ![

                                  محمد الماغوط

 

*

أحلم أنْ ينشقّ المشهُد فأرى النمَر الغرنوق قد عاد مع جرائه إلى الجبل، وأهتف من قحف رأسي: انتصرنا!

وأحلم، وتكون الأشجار بألف خير.

*

وبالمناسبة، فإن أهل الدنمارك الذين رفض معظمهم الاعتذار إلينا بعد نشر الرسوم المسيئة إلى نبينا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، جاؤوا إلى بلادنا قبل ألف سنة على متن سفينتين كبيرتين كان على إحداهما ملكهم، وقد أطلق مؤرخونا عليهم "الدنمرقه". أما أنا شخصياً فإني لا أطلب الاعتذار من "الدنمرقه" الجدد، ولا أطلب الاعتذار من الغرب الحاقد على إسلامنا وحبيبنا وقدوتنا وشفيعنا ومعلمنا وسيدنا أطهر الخلق وأشرفهم وسيد الأنبياء وخاتمهم، بل إنني أنظر إلى الأمام لأن في "الوراء" الجواب.

*

لا أعراس في القدس؛ لا دفّ ينفض معه الحمامُ حباتِ الماس عن جناحيه، ولا كمنجة تذبح الدوريّ على السور، ولا عود يروي عروق الحجارة في الطرقات، ولا غيم على الفتيات يدفّ بأذياله الناصعة الطاهرة، ولا إكليل سوسن أو قرنفل، ولا بُحة رجال يمسكون بذراع العريس، ويدفعونه إلى الحوش النابض بالنسوة واللّوج والخمار الأبيض الذي تشف تحته شمس الليل، وهم يُصلّون ويسلّمون على الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم-.

لا صينية حنّاء وشموع، ولا جلوة ولا غلالات أو طيب أو أعواد بخور في المجامر، ولا زينة تتعلق بالدوالي والأقواس، ولا حلوى على أكتاف السناسل، ولا شراب مذاباً بِسُكّر التوت الغامق، ولا ملبّس ولا حافلات ولا أطفال ملفّعين بأزياء الكبار، ولا فساتين جديدة للعّمات والخالات، ولا نقوط ولا حقائب ولا دمع الانتقال من دار العذرية إلى بهو الزوج أو الأب الجديد، ولا صخب الغداء، أو امتلاء الأزقّة بالضيوف.

لا أعراس في القدس منذ وقعت "أوسلو" مثل كوكب الخراب على أرض المدينة، فأغلقتها ونشّفت عروقها وعزلتها عن الحياة، وأقامت حولها أسوار الفصل العنصري والإغلاق.

لا أعراس في القدس الأرملة الثاكل اليتيمة النائحة الجائحة المفجوعة أُم الحسرات ونبع الدمع والأحزان والآلام، لا أعراس لأبناء هذه السيدة إلاّ خارج أسوارها، حتى يتمكّن أقارب العروس أو العريس من سكان الضفة الغربية، الذين لا يحملون  "هوية القدس"، ولا يستطيعون دخولها، من المشاركة في فرح ابنهم أو ابنتهم، فيقيمون الأعراس في بلدات شرقي القدس: العيزرية أو أبو ديس أو في بلدات شمالي القدس: الرام أو ضاحية البريد . وإذا كان أهل العريس من الطبقة المستريحة فربما يقيمون الفرح في بيت لحم أو أريحا أو رام الله، وعندها يكون العُرس في هذه المدن، وتكون العتمة والصمت في القدس الحزينة.

 

*

 

]يا صلاحَ الدين

هذا زمنُ الردّة والمدّ الشعوبي القويّ

أحرقوا بيت أبي بكر وألقوا القبض في الليل على آل النبيّ

فشريفات قريش صرن يغسلن صحون الأجنبي

يا صلاح الدين ماذا تنفع الكلمة في هذا الزمان الباطني

ولماذا نكتب الشعر وقد نسي العُرْبُ الكلام العربي[

                                                     نزار قباني

 

*

 

أعتذر، فإن ثمة مَنْ يغني للقدس! إنها "زهافا بن" اليهودية التي عَبْرَنَتْ أغاني أم كلثوم، أي جعلتها أغنيات عبرية برغم إصرار زهافا على ترنيم مطوّلات كوكب الشرق بالعربية، كما وردت على لسان الست!

وبعد الاعتذار، أنقل للعرب والمسلمين  بشرى، وهي: أن سائقي التاكسيات وسيارات الأجرة في القدس العربية المحتلة يضعون أشرطة المغنين والمطربين الإسرائيليين، فتسمع صوت "شلومو ليفي" يلعلع في شوارع القدس العربية! وتُشنّف آذانك، أيضاً، أغنيات "إيال جولاني"، وتكاد  تهتّز طرباً لدى سماعك صوت "إيتسك كالا" أو "حاييم موشيه"، وبالتأكيد تودّ أن ترقص على لحن أغنيات "شلومو سريف" المأخوذة من التراث والغناء اليونانيين. أما إذا سمعت أغنيات "سبلمنل فتسيل"، فإنك تخجل من التماهي مع موسيقاه وأغانيه، لا لشيء إلاّ لأنه يسبّ العرب في كل أغنية ويشتم "الأغيار، الأعداء، المتوحشين، الإرهابيين، قَتَلة الأطفال" العرب والمسلمين!

والملاحظ أن أغنيات المطربين هؤلاء هي نسخ عن موسيقى أو أغنيات يونانية أو تركية أو عربية أو غربية، ولا تكاد تجد أغنية إسرائيلية من لحم ودم وأعصاب ونسغ جديد، كإبداع وخلْق لم يسبق أن سمعته أو تعرّفت إليه، ما يعنى أن كل إثنيّة أو جماعة هاجرت إلى هنا حملت معها تراثها وثقافتها، وما فتئت تتكئ عليها وتعيش معها، أي أن هذه "الدولة" لم تستطع على مدار ستين عاماً- هي عُمْر احتلالنا واغتصابنا ونكبتنا- أن تصهر في مرْجلها  كل تلك الثقافات، وتنهض بثقافة "إسرائيلية" خالصة، حتى إننا نصل إلى نتيجة موضوعية تؤكد أن "ثقافة" هذا الكيان ما زالت ثقافة مُلفّقة وهجينة، وذلك يتضح في "العولام" أو ما يُسمّى بقاعات الأفراح أو المرابع الليلية، حيث ترفع كل "طائفة" أو "قومية" من شأن أغانيها، فتصطهج القاعة بأغنيات القوم أصحاب المناسبة أو القوم الحضور.

والملاحظة الأخرى أن بعض أصحاب محلات بيع الكاسيت والأقراص المدمجة والأشرطة الغنائية الموسيقية في القدس العربية باتوا لا يخجلون من عرض "البضائع الفنيّة" الإسرائيلية، بل ربما يضع صاحب المحل أغنية يبثّها بصوت مرتفع تسويقاً للمنُتَج الاحتلالي الغنائي، وبات الناس لا يُلقون بالاً لذلك، كأنهم اعتادوا أو ملّوا أو يئسوا، خصوصاً أن معظم الشباب المقدسي بات في كلامه يستخدم الكثير من المفردات العبرية كجزء لا يتجزأ من لغته المحكية، دون أن يثير ذلك استغراب أحد أو انتقاده! وبالتحديد تلك المفردات التي تتعلق بمؤسسات الاحتلال الصحيّة أو الأمنية أو التجارية، وما أكثرها!

والملاحظة الأخيرة أن القدس مأخوذة خلف جدار، ومعزولة عن محيطها تماماً، وبات غيابها عميقاً، فهي بالكاد تُذكُر على ألسنة السياسيين وبعض المثقفين.

 

*

 

] أكاد أؤمن من شكّ ومن عجبِ

هذي الملايين ليست أمةَ العربِ

هذي الملايين لم يدرِ الزمان بها

ولا بذي قار شدّت رايةَ الغلبِ

أأنتِ أنتِ؟ أم الأرحامُ قاحلةٌ

وبُدّلت عن أبي ذرٍّ أبا لهبِ؟[

                                 يوسف الخطيب

 

*

 

رحم الله ياسر عرفات وغفر له، فإنه لم يكن يسمح بأنْ يتمّ أي اجتماع في "القدس الغربية" مع وفد احتلالي! لقد كان يعي جيداً أن القدس واحدة، ولها أصحاب وأهل، ولسنا زوّاراً على أرضها، ولسنا غرباء وتحت سنابكهم وظلال سيوفهم واشتراطاتهم الثقيلة!

 

*

 

] لا تصالح ! ولو قيل رأسٌ برأس

أكلُّ الرؤوس سواء ؟

أقلبُ الغريب كقلب أخيك !؟

وهل تتساوى يدٌ .. سيفها كان لك

بيدٍ سيفُها أثْكَلك ؟

...

كيف تنظر في يد مَنْ صافحوكَ ..

فلا تبصر الدمَ ..

في كل كفّ ؟ [

                   أمل دنقل

*

 

ما معنى النغمة الجديدة التي تتدحرج على ألسنة بعض السياسيين الفلسطينيين والمتعلقة بما يسمى "الاستفتاء"! والسؤال هو: هل يتم استفتاء شعب تحت الاحتلال؟ وهل سيشمل الاستفتاء نصف شعبنا في دول اللجوء، لأن الأمر يعنيه مباشرة؟

وهل يجوز أن نستبدل بالقرارات الدولية الاستفتاء؟ بل هل يقبل شعب محترم أن يتم استفتاؤه على حقوقه التاريخية؟ وأين كان ذلك؟

أم أن الموضة الإعلامية التي أخضعت كل المقدسات والحقوق والثوابت لـ "الرأي والرأي الآخر" قد مهّدت لأنْ نقبل بعرض حقوق شعب كامل للسؤال؟!

ملاحظة: هذه أول مرّة في تاريخ البشرية يُستفتى فيه شعب على: هل تريد وطنك أم لا ؟

 

*

ثمة "موديلات" جديدة للحروب والاعتداءات التي تقوم بها دولة الاحتلال الإسرائيلي!

لقد كانت تقوم بجرائمها مدعومة من الإدارات الإمبريالية، أمّا اليوم فإنها تقوم بالدَّهم والاجتياح والقتل والغزو والتدمير والاحتلال وقتل الأطفال وخَبْز البنايات والجسور والبُنى التحتية والمحطّات والطرقات، وتحرق المدارس، وتقصف المشافي والملاجئ... بسلاح الإدارات الإمبريالية، وبغطاء غربي مشبوه سافر، وبموافقة الأشقاء!

 

*

 

ثمة دبيب في رَحْم الشوارع، وثمة نبض يخفق في الجدران، وثمة انفجار قادم في كل مكان، سيبدأ، ربما، من غزة، ولكن صداه سيكون في المرايا القريبة والبعيدة!

 

*

 

شواهد القبور تصرخ في الأرض التي تم احتلالها العام 1948، وبات الأموات الأحياء يخشون على عظامهم من أنياب الجرافات التي تخترقُ الحجارةَ والتراب! إن المقابر تتحول إلى بنايات للفندقه أوالرقص أو للكازينو بعد أن يقحفوا تلك الأرض ويُلقوا ما فيها بعيداً في المكبّات التي باتت تشهدُ الكثير من الجماجم والهياكل وبقايا الأجساد المدفونة منذ عقود وقرون.

إن الأموات يصرخون لضياع بيوتهم الأبدية، ولتبديد ما يدلّ على أنهم هنا، حتى يخشع المرور وينحنون قليلاً أو يضعون وردةً أو فاتحة.

 

*

إذا تمددتُ فوقَ الَقبْرِ

يُرْعدِني..

فَأُوصِلُ المدَّ حتى أرتضي سفري

قد كان حيّاً، وهذا الطينُ ليس له

إلا ليُوسعَ بين اللّحمِ والشَّررِ..

أعودُ للدارِ، والأرحامُ رانخةٌ

فيقطرُ اللبنُ الفيّاضُ من شجري

 

*

 

]إن الانحراف السياسي يبدأ في النقطة التي نتنازل فيها عن استراتيجيتنا التحررية لحساب استراتيجية العدو. إن الخلاف هنا ليس على كمية التنازل، ولكن على نوعية هذا الانتقال من "الصمود" و"التحرير" إلى الاستسلام لإرادة العدو[

                                         غسان كنفاني، مجلة الهدف العدد 58

 

*

 

كأن "المُسْرارة" ليست ساحة تمتد أمام "باب العامود"، بل تاريخ راسخ يشهد على الحراك الذي كان لمدينة القدس، التي تلبس أساورها من كعك وزعتر.

كُنـّا نلجُ "باب العامود" أو "باب الساهرة"، وأقدامنا تعرف طريقها، بالفطرة، إلى الحَرَم، فنصلـّي في الأقصى أو تحت الصخرة، أو على المصاطب المفتوحة على الزيتون والسرو والقباب، ونخرج إلى الأزقـّة.. المحتشدة بالسيّاح وزائري المدينة من كل لون، ونعرّج على الفـُرن، لنحمل أكياس الكعك بالسمسم والبيض المشوي والزعتر والفلافل، ثمّ نتـّخذ مقعدنا في المقهى، لنرتوي بنعناع الشاي، وبترويض عيوننا مع السائرين على أحجار التاريخ، أو مع الريفيّات اللواتي يضعن بسطات الخضار والفاكهة أمامهن كالتماثيل الحيـّة.

كنتُ،  كلما أحسستُ بالكآبة أو الخسران أو الحُزن، أتجه نحو البلدة القديمة، فأهبط من "باب العامود" إلى "خان الزيت" فسوق "العطـّارين" ثم "اللحامين" أو "السويقة"، وأعود إلى الكنيسة فجامع عمر، ثم أذهب شرقاً إلى طريق "الواد" ثم "الآلام" إلى "باب الأسباط"، أو أسير مباشرة إلى "باب المجلس" فالحرم فإلى "باب حُطـّة" وأمرّ بالفرن لأحظى بوجبتي!

.. منذ ثماني سنوات لم أستطع أن أدخل إلى القدس! منذ ثمانية أعوام و"سلام" الحواجز يحرمني من المشي على بلاط الآلام والحرم! منذ قرابة مئة شهر لم أجد الطرق التي تمتصّ حزني وانكساري، ومنذ ثلاثة آلاف يوم لم أركع على عشبةٍ نبتت من قطرةٍ سقطت من ذراع أو عين، أو من فم طير ألقى حبّته من السماء إلى الأرض.

عندما كانت تضيق الدنيا علينا، كُنـّا نحمل حالنا، ونذهبُ إلى بيت حماي في "باب حُطـّة"، فتحمل النساء طناجر الدوالي والمقلوبة وأكياس النـُقل وثيرموسات الشاي والقهوة، ويفردن البطانيات والحرامات، ونتكئ على جدران درج قبة الصخرة أو حجارة الممرات، وثمة عشرات العوائل تتحلّق هنا وهناك، فنصلـّي المغرب والعشاء، ونظلّ على حالنا نأكل ونشرب ونتداول بصوتٍ خفيفٍ في أحوال الدنيا، والصغار يطيرون في كل اتجاه، في متنزّه الله، كأنهم ملائكة في بهاء الليل الوديع!

.. لم يكن حينها قد وُقّع "أوسلو"، ولم تكن الحواجز والأسوار! كأن نكبة القدس قد بدأت بعد تلك الاتفاقات التي أعطتنا الحسرة وأعطتهم المدينة!

[بالمناسبة ثمة خمس عشرة مستوطنة في القدس الشرقية، يقطنها مئة وتسعون ألف مستوطن يهودي في سبعين ألف وحدة سكنية، في حين ثمة ست وثلاثون وحدة سكنية للفلسطينيين، بعدما أخرج السور أكثر من مئة وثلاثين ألف فلسطيني من القدس إلى خارجها].

أذكر أنه قبل ثلاثة وعشرين عاماً جاء رجال العشيرة ليطلبوا لي يد زوجتي من أهلها! وَصَلوا عصراً، وتمّت الخطبة، وَصَلـّوا المغرب في الحرم، وعادوا محمّلـين بالكعك والنمّورة والهريسة وحلاوة الفستق والمعمول والكعك بعجوة... حتى أنهم، وحتى وقتٍ قريب، كانوا يتـّصلون بي لأحمل لهم كعكاً أو سمسميـّة من "رائحة" القدس! لقد كانت خطبتي بالنسبة لهم حدثاً يمكن تذكّره مع تاريخ "تقديس" الحجّة.. لمَنْ أدّاها قبل ذلك في الحجاز.

وفي شهور الخطبة، كنتُ أستأذن حماي، لأذهب مع خطيبتي إلى الحرم! كان يعرف أن الذهاب إلى هناك عصمة ومناعة من أيّ شرّ أو شطط، وكنـّا بعد العشاء نتمشّى إلى الفرن، فنجلس على سور واطئ أو حجرين مقعدين في الطريق، ونفرد الكعك والفلافل والزعتر، ونسير متباطئين إلى الدار!

كانت تلتصق بي كأنها خائفة! ثم تهدأ لدى مرورنا بساحة المراجيح، فتتذكر أيام "اليويا" ورمضان وليلة القدر والعيد! ثم تخاف فتلتصق ثانية، وتقول: من هنا خرجت "العمورة"! والعمورة هي الغولة بلغة أهل البلدة القديمة! فأشكر، في سرّي، عمورة القدس التي أتاحت لي فرصة الاقتراب!

إنني أموت شوقاً إلى تلك الطريق.. وإلى تلك الرائحة..

وإلى تلك الليالي!

وإلى مَنْ يرى العمورة.. فليشكرها عنّي!

 

*

 

]لقد قال عنه صديقه اليهودي، ناشر أعماله ماكس برود الذي هاجر إلى فلسطين سنة 1930، وعاش في تل أبيب ومات فيها سنة 1968: إن قصص "كافكا" هي وثائق يهودية من عصرنا[

.....

]شخصية العربي أو المسلم في رواية "دون كيشوت" لسرفانتس شخصية غير آدمية في معظم ظهوراتها، شخصية شبحية، ظلامية، شريرة، مسحورة على هيئة شخصية آدمية، إن الشرّ في هذه الرواية سمة أولى وجوهرية متحكمة بالذات العربية[

.....
]لماذا أطال جيمس جويس  في روايته "عوليس" الحديث عن طبريا وحيفا ويافا وسدوم وعمورة والبحر الميت أو الحديث عن شخصيات توراتية؟ إن هذه الرواية واحدة من الأدبيات اليهودية التي دعت إلى "حق عودة" اليهود إلى فلسطين..[

                                     حسن حميد، البقع الأرجوانية

 

*

 

أسيرُ الآن في خيال الطريق، والآن ليلٌ نهاريّ يغطـّي الممرات الفارغة إلا ّمن وَقْعِ أقدامي، كأني أسير، من جديد، وأدخل "باب الأسباط" وأمشي، وأمشي، ثم أدلف من "باب حُطـّة" فالحارة. وأسير، هكذا، كأنني نائم أو ممغنط باتجاه "باب الساهرة"، وفجأة تخرج لي العمورة بشَعرها الهائل المنفوش وعينيها المليئتين بالدم وأظفارها المدببة وخوارها الذي ينزع القلب، تتهارش مع الجدران، فـَيَهرّ الجير من الحجارة شريطاً أبيض، ثم تقفز العمورة وتعترضني، فأقف متوجساً مُستنفراً.

وأفتح عينيّ فأرى الجنود يشهرون أسلحتهم النارية، ويحيطون بي، ومواسير البنادق قد وصلت إلى بطني وظهري ورأسي وخاصرتي، يفتشونني، ويقلّـبون أوراقي، ويرمونني أرضاً، ويقيدونني، ويأخذونني مخفوراً على أرض الدبابة إلى السجن!

- دخل القدس دون تصريح!

- سجن ثلاث سنوات!

   ...

*

 

ما المدهشُ في العينين:

كتابُ الرؤيةِ،

أم نصُّ المعروضِ على الطرقاتِ؟

أظنُّ أن المشهدَ فات!

 

*

 

وأفزعُ، فأراني في كابوس اليقظة، وقد جفّ حلقي، وأحمد الله أنني هنا في رام الله، وأن الدوريات التي تولول بعيدة، وأن هذا الرصاص الكثيف بعيد أيضاً!

لقد اقتحموا المدينة كالعادة! ومرّوا من تحت شبابيك المسؤولين كالعادة! وقتلوا واعتقلوا واستباحوا كالعادة!

وتعود الحياة واللغة نفسها كالعادة! ونلعن لا شيء كالعادة!

.. وأشتاق إلى القدس كغير العادة.

 

*

 

[كذلك تكفـّلت الريحُ بالشعلة

والأمطارُ بآثار الراحلين]                           

                              أمجد ناصر

 

*

 

الذَّهَبُ هنا هذيان، وحمّى صيف، والميداليا المحفورة بالمخرز والبلـّور، والكتف الممسود بأمشاط الكبت المفزوعة! والذهَبُ ما عَلق من الندى على التاج، وما خرج على المسمار من أخمص المصلوب، وهو منسأة الملك النائم.. الضاحك على الجان، ودخانه المحشوّ في القماقم، وما تراءى في الخواتم، والذَّهَبُ ما تـخثـّر في الرحم من الريق، وتمددّ في الإبريق، وهو ما اعتصرته الشغوفة من لباء صعب، وخدّرها في ذروة السقوط العالي، والذَّهَبُ فمُ سُلاف وأعراف الفـَرَس وريح الكمثرى في الطفولة، والذهَبُ ما وصلتُ إليه، ولم أصل كالمشي على شاطئ المحيط، والذهَبُ لعابُ البراكين، وعين الأفعى، وشايُ النار في الجبل، والشنـّارُ الدارج على بساط الربيع، وشبـّابةُ القطيع، والذَّهَبُ ما لم أصل إليه.. ولن أصل!

 

*

 

 

 

] - الناموس الحقّ يُعتَرف له بأكثر مما يُعرف به

-       إذا غلبت الصورة على الهيولي بَطُل حُكم الهيولي

-       الإصرار على الشر مع تمنّي الإقلاع منه زيادةٌ في الشرّ

-       المُعطي لا يتبع المُعطَى ولا العطاء

-       اعرف الشرّ لئلا تقع فيه جاهلاً به

-       النظام مُحكم، ولكن المُنتظم متهدّم[

                               أبو حيان التوحيدي، المقابسات

 

*

 

تكاد غُنّة الحجل أن تنقرض، فالأسلاك تشوّش شبوب الميجنا وغرغرة النرجس وانخطاف الحَبّة المأنوسة، بل صار الطير خائفاً في ملكوته، وسُلطانة قوس قزح دون عش في سماء تتقادح بالأباتشي والجنود. والوارف الخرنوبي في صهد القتاد يريدونه خائراً دون معازفه، لكن خوابيه المعتّقة فوحان أبيض، والموسم على الأبواب، رغم السفوّد والكيّ والصيحات.

*

]فقد كانت شرعية الإله بين اليهود مستمدّة أساساً من مدى تلبيته للمطالب المعيشية والوجودية للجماعة، فإذا كانت قدراته لا تستجيب للآمال العريضة للشعب، ولا تناسب مسار تطلعاته، يصير مرشَّحاً للتواري، وحينها تدبّ الشيخوخة فيه ويجري السّعي لاستبداله بغيره، فيتغيّر اسمه وتتبدّل وظيفته. وبفضل نظرية المصادر، تم تمييز حضور هذه الألوهيات المختلفة، فالنصوص التي تشكّلت من التوارة فترة هيمنة أحد الآلهة اصطبغت بصفاتها وخصائصها[

              د. عز الدين عناية– الاستهواد العربي

 

*

الشراب الممزوج بالتوابل اللاذعة له نكهة العانة المُثارة بحريف الأمنية المستحيلة.

 

*

الساحرُ الذي سكب عمله الخبيث في بئر ماء البلدة أنسى الناس حكايتهم الأثيرة، وصارت حروفُهم لغةً للعار واللعنة!

 

*

البرقُ الذي ضرب الناحية، ليلة البارحة، كان يافعاً وباهراً، وقد جعل التمثال ينكث بوعده، ويفشي أسرار ما رأى!

 

*

المزمارُ هواءٌ نبيذيّ يضمّخ روحَ الحصان وأعوادَ القصب، ويشرّع بوابات الوجدان للسّحر والتفتّح والخَدَر، والمزمارُ ابن الآلهة الأثير، الذي أحبّ أن يظلّ سابحاً في الأوردة، عابقاً في الرأس، حتى الوسن والشرود والغياب. ومع المزمار يبدو كل شيء مطهماً، وذاهباً إلى الامتلاء والصعود والتمدّد والإشراق.. إلاّ منْ كان قلبه فارغاً أو كان ميتاً!

 

*

 

يرى فيما يرى النائم أنها تنشب أصابعَها في ظهره، وتحكّ ساقيها بساقيه، وتلعق بطنَه، وتقرص حلمتيه، وتشرب الرجلَ المشرئب.. حتى الانكماش!

وعندما يصحو يجد آثار كل ذلك على بدنه؛ الخدوشَ والاحمرارَ واللّعابَ الذي جفّ والتصق.

 

*

 

من آثار الأمّة التي اندحرت وَبادَ أهلُها في الأندلس، واحترقت حينَها، مِزَقُ "جنّة العريف" بفعل أفران محاكم التفتيش التي أتت على مليون كتاب، ترمَّدَت أمام "باب الرملة" في غرناطة، وصولاً إلى "فرانكو" الذي أقام هضاب القبور الجماعية، والتي كان "لوركا" شاهدها الأعلى، باعتباره الشاعر الذي رغب في أن تحرقه العاصفة! يلفت انتباهنا ويبعث القشعريرة في حديد القلب أن القاتل بعد أن أطلق الرصاصة العمياء على رأس لوركا غرز أصابعه وأخرجها، ثم ألقى الرصاصةَ في كأس نبيذ، وهتف: إنّه دمُ شاعر! بصِحَّتِكَ أيها الجنرال!

إذاً، إنّه دمُ شاعر، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم!

قد ننظر خلفنا بغضب، كما طالب "جون إسبرن" الإنجليزي في مسرحيته الشهيرة، لأنَّ خلفنا يضجّ، إلى حدّ الاختناق، بالدم الحرام الطفل. ولعله يتراءى أمامنا، الآن، ذلك الجسد المكرور المصلوب أو المُحرَّق أو السجين للصوفيّ والإمام والشاعر، ولأنَّ دماء النَّطْع لم تتخثّر على خريطةِ أقطارنا التي تخفق فيها المقاصل أكثر من رايات العزّ الخائب والمجد التعيس، حتى لم نعد نرى ذلك "القائد الروحي"، إماماً كان أم شاعراً أم حزبيّاً أشوسا، إلاّ خلف القضبان، أو كتفين بلا رأس، أو مَنْ رَحِم ربّي، على قلّةٍ غير مُتكثّرة أو غضبى. بل إنَّ الكوكبَ يقتربُ مرةً أخرى من زمنِ الغَمْرِ البدئيّ، ولكن بماءٍ لَزِجٍ ساخنٍ قانٍ وبريءٍ هذه المرّة، يُغطّيه حتى يَشْرَقَ بدمهِ ويموت.

ولن أستدير هنا، لأذكر أولئك الذين اندفعوا، قهراً أو جنوناً، إلى الانتحار، فكتاب المبدعة اللامعة جمانة حداد يفي بالغرض ويزيد. لكنني سأمرّ على عدد من الشعراء الذين قُتِلوا، هكذا، بدمٍ بارد! فضلاً عن أولئك الذين ذبلوا حتى الشهادة في المعتقلات والأقبية أمثال "بنجامين مولويز" أو الذين خرجوا إلى أكفانهم الجاهزة، بعد أن استنفدوا زيت أرواحهم في العتمات.

وقد نجد عزاءً فيمن سنذكر بإجلال، إذ إنّ الاحتلال هو الذي استهدف هذه الأسماء المميزة من فلسطين، لكننا سنغصّ بترديد أسماء أخرى، لا حصر لها، من الشعراء والإعلاميين والمبدعين الذين قضوا بمجانيّة مؤسفة، أرادها الدكتاتور المتعطش، وبحسرة لا عزاء لها.

هؤلاء الشعراء الشهداء، وأوّلهم عبد الرحيم محمود الناهض بسلاحه في وجه العصابات الصهيونية، لم يكن يجهل ما اكتسبته من إمكانات استعمارية بريطانية حديثة تستطيع أنْ تحصد دون رحمة أو توانٍ، غير أنه واجه هذه الحمولة الفارمة الثقيلة، ليخلق بموته الفذّ مَخْرَجاً فسيحاًَ، على ضيقه، ليؤسس مبدأً مفاده أنّ على الدم أنْ يُواجه السيف، وعلى الرأس أن يخبط الجدار مرةً إثر مرة ـ قد تتكسر رؤوس كثيرة لكنّ الجدارَ سينهار يوماًـ. والأهم أن عبد الرحيم محمود زاوج، في عُرْسِ مُقاومته العبقرية المباشرة، وربما المُغَامِرة والفردية، بين ما قاله (سأحمل روحي...) وما قام به فعلاً وترجمةً، وصعد بِدَمهِ الجليليّ إلى ذُرى الخلود، ليكون نموذجاً متقدماً يُحتذى، ودون شروط.

وما كان كمال ناصر الذي أخذت القيود من عمره أزهى الزهرات، وحضر في كل مسيرةٍ ومهرجان، غافلاً عن فعل ودور ومهمة المثقف العضوي الحقيقي، قبل أنْ يتلهّى مثقفو المقاهي بفتات "غرامشي" وغيره، إذ إنّ هذا القائد المناضل كان يتقدم على النظرية، مثلما اجترح دمُه النظريةَ الأكثر نفاذاً وأهميّة. ومثلما كان هذا الشاعُر البطانةَ الحاميةَ لروحِ الثورة، مثلما كان الحالم الأكبر والتطهريّ الأبرز، الذي يخجل بوجوده كلّ خارجٍ على المقاومة، ما يُفسّر بشاعة الكيفية العنيفة والحقيرة التي أقدم عليها قاتله "باراك" بتفريغ "باغة" سلاحه في فمه مباشرة، ليتفتت ذلك العقل البصير والشجاع. إنّ استهداف فم كمال ناصر هو استهداف لكلمات الشاعر التي تميّز الفدائي الطالع من مرجل التجربة عن قاطع الطريق أو القاتل المأجور.

أما علي فودة الشاعر الذي جعل الرصيف منصّة للانتباه، فهو المقاتل الذي أدرك خطورة الحرف في شحذ الروح وتفجير الوجدان ساعةَ حصار بيروت، والجهاتُ تخبز المدينة بجحيمها المهول، كما قادته بوصلته ـ التي لم تشِر إلاّ إلى القدس ـ إلى أن تأصيل تاريخ الالتحام والمجد والبطولة هو ما يُنتج أجيالاً قادرة على أنْ تكون مداركها معبأة بالثوابت والحق الكامل والعدل، وتستطيع بوثائقها الساطعة أنْ تحرس الحُلم الفلسطيني، الذي يحاول الكثيرون مسخه إلى إشارات باهتة للتسّول والتوسّل والهرولة نحو الهاوية.

وآخرُ الشعراءِ المذبوحين– على يدنا هذه المّرة– هو الشاعر العسكري نصر أبو شاور، الذي كان موته أقرب إلى الانتحار، وإلى نهايات الأبطال التراجيديين. ونصر الذي قطع المسافة كاملة دون أن يستريح لم يبرح غزة ولم تبرح بندقيته كتفه المنتصب الشريف، وظل مغموساً في بخار رطوبة غزة، وإرهاقها الصعب، الذي شهد غيرَ موجةٍ طافحة بالموت والجوع والحصار. نصر الباسل المرح الذي مات بيدنا الآثمة، وبانقلابنا الذي سيفضي بنا إلى الإمضاء على استسلامنا النهائي، أو المضيّ بنا نحو العدم. وربما تكون هذه هي المرّة الأولى التي نمارس فيها سفاح الدم بهذا الجنون، ونرتدّ إلى ذاتنا لنمزّقها كدليلٍ على هزيمةٍ جوّانيّة أكلتنا وتدوّي فينا، وَتُهَجَّر طفولةَ صغارنا وتدفعهم إلى النصل والفصام والضياع.

وهل ننسى غسان كنفاني وماجد أبو شرار وباسل الكبيسي وحنّا مقبل وهاني جوهرية... وغيرهم الكثير من المبدعين الذين لم تحفظ المؤسسةُ الرسميةُ نتاجَهم وإرثهم، وألقوا بهم في مهاوي النسيان، هؤلاء الذين جرى خيطُ دمِ كلٍّ منهم ليلتقي الخيط الآخر، حتى تكامل نسيج راية النجيع المضيئة، والتي لولاها لكان شِعرنا رماداً، ونثرنا وَحْلاً، وخطابُنا يائِساً بائِساً، وألواننا كابيةً دون ملامح.

وربّما يظنّ البعضُ أنّ السدّ العارمَ الذي جمعَ كل تلك الدماء الطاهرة قد انْهارَ مثلما انْهار مأرب بالفئران الوطنية، غير أنّي أعتقد، مع الكثيرين، أنّ هذا الدمَ قد انسرب إلى باطن الكُرة، وما زال يشكّل رصيدنا الإنساني الأصفى ومياهنا الجوفيّة المتفجّرة، وها هو يتوهّج براكينَ وزلازل على رؤوس وتحت أقدام الكارتلاّت الناهبة والدّاهمة بحاملاتها وعَوْلَمتها السوداء، وها هو دمُ الشاعر يشقّ أضلاع الطين وروداً وشقائقَ وأقماراً في التراب! ألمْ يكُنْ دمُ شاعر؟ إذاً، بِصِحَّتِكَ أيٌّها الغد.   

 

*

مَنْ فتح الصخرة؟

ماذا وجد على صفحات الحَجَر الأسود

نقوشاً؟

لا..

ذهباً؟

لا..لا..